المرحلة الثامنة
في انقسام الموجود إلى الواحد والكثير
وفيها عشرة فصول
المرحلة الثامنة
في انقسام الموجود إلى الواحد والكثير
وفيها عشرة فصول
الفصل الأول
في معنى الواحد والكثير
الحق أن مفهومي الوحدة والكثرة ، من المفاهيم العامة التي تنتقش في النفس انتقاشا أوليا ، كمفهوم الوجود ومفهوم الإمكان ونظائرهما ، ولذا كان تعريفهما بأن ، الواحد ما لا ينقسم من حيث إنه لا ينقسم ، والكثير ما ينقسم من حيث إنه ينقسم تعريفا لفظيا ، ولو كانا تعريفين حقيقيين ، لم يخلوا من فساد ، لتوقف تصور مفهوم الواحد على تصور مفهوم ما ينقسم ، وهو مفهوم الكثير ، وتوقف تصور مفهوم الكثير على تصور مفهوم المنقسم ، الذي هو عينه ، وبالجملة الوحدة هي حيثية عدم الانقسام ، والكثرة حيثية الانقسام.
تنبيه
، الوحدة تساوق الوجود مصداقا ، كما أنها تباينه مفهوما ، فكل موجود فهو من حيث إنه موجود واحد ، كما أن كل واحد فهو من حيث إنه واحد موجود ، فإن قلت انقسام الموجود المطلق ، إلى الواحد والكثير يوجب كون الكثير موجودا كالواحد ، لأنه من أقسام الموجود ، ويوجب أيضا كون الكثير غير الواحد مباينا له ، لأنهما قسيمان والقسيمان متباينان بالضرورة ، فبعض
الموجود وهو الكثير من حيث هو كثير ليس بواحد ، وهو يناقض القول بأن كل موجود فهو واحد.
قلت للواحد اعتباران ، اعتباره في نفسه من دون قياس الكثير إليه ، فيشمل الكثير فإن الكثير من حيث هو موجود فهو واحد ، له وجود واحد ولذا يعرض له العدد ، فيقال مثلا ، عشرة واحدة وعشرات وكثرة واحدة وكثرات ، واعتباره من حيث يقابل الكثير فيباينه.
توضيح ذلك أنا كما نأخذ الوجود ، تارة من حيث نفسه ووقوعه قبال مطلق العدم ، فيصير عين الخارجية وحيثية ترتب الآثار ، ونأخذه تارة أخرى فنجده في حال تترتب عليه آثاره ، وفي حال أخرى لا تترتب عليه تلك الآثار ، وإن ترتبت عليه آثار أخرى ، فنعد وجوده المقيس وجودا ذهنيا لا تترتب عليه الآثار ، ووجوده المقيس عليه ، وجودا خارجيا تترتب عليه الآثار ، ولا ينافي ذلك قولنا ، إن الوجود يساوق العينية والخارجية ، وإنه عين ترتب الآثار.
كذلك ربما نأخذ مفهوم الواحد ، بإطلاقه من غير قياس ، فنجده يساوق الوجود مصداقا ، فكل ما هو موجود فهو من حيث وجوده واحد ، ونجده تارة أخرى وهو متصف بالوحدة في حال ، وغير متصف بها في حال أخرى ، كالإنسان الواحد بالعدد ، والإنسان الكثير بالعدد المقيس إلى الواحد بالعدد ، فنعد المقيس كثيرا مقابلا للواحد الذي هو قسيمه ، ولا ينافي ذلك قولنا ، الواحد يساوق الموجود المطلق ، والمراد به الواحد بمعناه الأعم المطلق من غير قياس.
الفصل الثاني
في أقسام الواحد
الواحد إما حقيقي وإما غير حقيقي ، والحقيقي ما اتصف بالوحدة