درس بدایة الحکمة

جلسه ۷۷: جلسه هفتاد و هفتم

 

المرحلة الثامنة

في انقسام الموجود إلى الواحد والكثير

وفيها عشرة فصول

الفصل الأول

في معنى الواحد والكثير

الحق أن مفهومي الوحدة والكثرة ، من المفاهيم العامة التي تنتقش في النفس انتقاشا أوليا ، كمفهوم الوجود ومفهوم الإمكان ونظائرهما ، ولذا كان تعريفهما بأن ، الواحد ما لا ينقسم من حيث إنه لا ينقسم ، والكثير ما ينقسم من حيث إنه ينقسم تعريفا لفظيا ، ولو كانا تعريفين حقيقيين ، لم يخلوا من فساد ، لتوقف تصور مفهوم الواحد على تصور مفهوم ما ينقسم ، وهو مفهوم الكثير ، وتوقف تصور مفهوم الكثير على تصور مفهوم المنقسم ، الذي هو عينه ، وبالجملة الوحدة هي حيثية عدم الانقسام ، والكثرة حيثية الانقسام.

تنبيه

، الوحدة تساوق الوجود مصداقا ، كما أنها تباينه مفهوما ، فكل موجود فهو من حيث إنه موجود واحد ، كما أن كل واحد فهو من حيث إنه واحد موجود ، فإن قلت انقسام الموجود المطلق ، إلى الواحد والكثير يوجب كون الكثير موجودا كالواحد ، لأنه من أقسام الموجود ، ويوجب أيضا كون الكثير غير الواحد مباينا له ، لأنهما قسيمان والقسيمان متباينان بالضرورة ، فبعض

الموجود وهو الكثير من حيث هو كثير ليس بواحد ، وهو يناقض القول بأن كل موجود فهو واحد.

قلت للواحد اعتباران ، اعتباره في نفسه من دون قياس الكثير إليه ، فيشمل الكثير فإن الكثير من حيث هو موجود فهو واحد ، له وجود واحد ولذا يعرض له العدد ، فيقال مثلا ، عشرة واحدة وعشرات وكثرة واحدة وكثرات ، واعتباره من حيث يقابل الكثير فيباينه.

توضيح ذلك أنا كما نأخذ الوجود ، تارة من حيث نفسه ووقوعه قبال مطلق العدم ، فيصير عين الخارجية وحيثية ترتب الآثار ، ونأخذه تارة أخرى فنجده في حال تترتب عليه آثاره ، وفي حال أخرى لا تترتب عليه تلك الآثار ، وإن ترتبت عليه آثار أخرى ، فنعد وجوده المقيس وجودا ذهنيا لا تترتب عليه الآثار ، ووجوده المقيس عليه ، وجودا خارجيا تترتب عليه الآثار ، ولا ينافي ذلك قولنا ، إن الوجود يساوق العينية والخارجية ، وإنه عين ترتب الآثار.

كذلك ربما نأخذ مفهوم الواحد ، بإطلاقه من غير قياس ، فنجده يساوق الوجود مصداقا ، فكل ما هو موجود فهو من حيث وجوده واحد ، ونجده تارة أخرى وهو متصف بالوحدة في حال ، وغير متصف بها في حال أخرى ، كالإنسان الواحد بالعدد ، والإنسان الكثير بالعدد المقيس إلى الواحد بالعدد ، فنعد المقيس كثيرا مقابلا للواحد الذي هو قسيمه ، ولا ينافي ذلك قولنا ، الواحد يساوق الموجود المطلق ، والمراد به الواحد بمعناه الأعم المطلق من غير قياس.

الفصل الثاني

في أقسام الواحد

الواحد إما حقيقي وإما غير حقيقي ، والحقيقي ما اتصف بالوحدة