درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۰۸: جلسه صد و هشتم

 

الفصل الخامس عشر

في السكون

يطلق السكون على ، خلو الجسم من الحركة قبلها أو بعدها ، وعلى ثبات الجسم على حاله التي هو عليها ، والذي يقابل الحركة هو المعنى الأول ، والثاني لازمه وهو معنى عدمي ، بمعنى انعدام الصفة عن موضوع قابل هو الجسم ، فيكون هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك ، فالتقابل بينه وبين الحركة تقابل العدم والملكة ، ولا يكاد يخلو عن الحركة جسم أو أمر جسماني ، إلا ما كان آني الوجود ، كالوصول إلى حد المسافة ، وانفصال شيء من شيء ، وحدوث الأشكال الهندسية ونحو ذلك.

الفصل السادس عشر

في انقسامات الحركة

تنقسم الحركة ، بانقسام الأمور الستة التي تتعلق بها ذاتها.

فانقسامها بانقسام المبدإ والمنتهى ، كالحركة من مكان كذا إلى مكان كذا ، والحركة من لون كذا إلى لون كذا ، وحركة النبات من قدر كذا إلى قدر كذا.

وانقسامها بانقسام الموضوع ، كحركة النبات وحركة الحيوان وحركة الإنسان.

وانقسامها بانقسام المقولة كالحركة في الكيف ، والحركة في الكم

والحركة في الوضع.

وانقسامها بانقسام الزمان ، كالحركة الليلية والحركة النهارية ، والحركة الصيفية والحركة الشتوية.

وانقسامها بانقسام الفاعل ، كالحركة الطبيعية والحركة القسرية ، والحركة الإرادية ويلحق بها بوجه الحركة بالعرض ، فإن الفاعل إما أن يكون ذا شعور وإرادة ، بالنسبة إلى فعله أم لا ، والأول هو الفاعل النفساني والحركة نفسانية ، كالحركات الإرادية التي للإنسان والحيوان ، والثاني إما أن تكون الحركة ، منبعثة عن نفسه لو خلي ونفسه ، وإما أن تكون منبعثة عنه ، لقهر فاعل آخر إياه على الحركة ، والأول هو الفاعل الطبيعي والحركة طبيعية ، والثاني هو الفاعل القاسر والحركة قسرية ، كالحجر المرمي إلى فوق.

قالوا إن الفاعل القريب للحركة ، في جميع هذه الحركات هو طبيعة المتحرك ، عن تسخير نفساني أو اقتضاء طبيعي ، أو قهر الطبيعة القاسرة ، لطبيعة المقسور على الحركة ، والمبدإ المباشر المتوسط ، بين الفاعل وبين الحركة هو مبدأ الميل ، الذي يوجده الفاعل في طبيعة المتحرك ، وتفصيل الكلام فيه في الطبيعيات.

خاتمة

، ليعلم أن القوة أو ما بالقوة ، كما تطلق على حيثية القبول ، كذلك تطلق على حيثية الفعل إذا كانت شديدة ، وكما تطلق على مبدإ القبول القائم به ذلك ، كذلك تطلق على مبدإ الفعل ، كما تطلق القوى النفسانية ويراد بها ، مبادي الآثار النفسانية ، من إبصار وسمع وتخيل وغير ذلك ، وكذلك القوى الطبيعية لمبادي الآثار الطبيعية.

وهذه القوة الفاعلة إذا قارنت العلم والمشية ، سميت قدرة الحيوان ،

وهي علة فاعلة ، تحتاج في تمام عليتها ، ووجوب الفعل بها إلى أمور خارجة ، كحضور المادة القابلة ، وصلاحية أدوات الفعل وغيرها ، تصير باجتماعها علة تامة ، يجب معها الفعل.

ومن هنا يظهر أولا ، عدم استقامة تحديد بعضهم للقدرة بأنها ، ما يصح معه الفعل والترك ، فإن نسبة الفعل والترك إلى الفاعل ، إنما تكون بالصحة والإمكان ، إذا كان جزءا من العلة التامة ، لا يجب الفعل به وحده ، بل به وببقية الأجزاء التي تتم بها العلة التامة ، وأما الفاعل التام الفاعلية ، الذي هو وحدة علة تامة كالواجب تعالى ، فلا معنى لكون نسبة الفعل والترك إليه بالإمكان.

ولا يوجب كون فعله واجبا أن يكون موجبا ، مجبرا على الفعل غير قادر عليه ، إذ هذا الوجوب لاحق بالفعل من قبله ، وهو أثره فلا يضطره إلى الفعل ، ولا أن هناك فاعلا آخر يؤثر فيه ، بجعله مضطرا إلى الفعل.

وثانيا بطلان ما قال به قوم ، إن صحة الفعل ، متوقفة على كونه مسبوقا بالعدم الزماني ، فالفعل الذي لا يسبقه عدم زماني ممتنع ، وهو مبني على القول بأن علة الاحتياج إلى العلة ، هي الحدوث دون الإمكان ، وقد تقدم (١) إبطاله وإثبات أن علة الحاجة إلى العلة ، هو الإمكان دون الحدوث ، على أنه منقوض بنفس الزمان.

وثالثا بطلان قول من قال ، إن القدرة إنما تحدث مع الفعل ، ولا قدرة على فعل قبله ، وفيه أنهم يرون أن القدرة ، هي كون الشيء بحيث يصح منه الفعل والترك ، فلو ترك الفعل زمانا ثم فعل ، صدق عليه قبل الفعل ، أنه يصح منه الفعل والترك وهي القدرة.

__________________

(١) في الفصل الثامن من المرحلة الرابعة.