درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۱۳: جلسه صد و سیزدهم

 

ويسمى عقلا وتعقلا ، والجزئي ما يمتنع فرض صدقه على كثيرين ، كالعلم بهذا الإنسان ، بنوع من الاتصال بمادته الحاضرة ، ويسمى علما إحساسيا ، وكالعلم بالإنسان الفرد من غير حضور مادته ، ويسمى علما خياليا ، وعد هذين القسمين ممتنع الصدق على كثيرين ، إنما هو من جهة اتصال أدوات الإحساس ، بالمعلوم الخارجي في العلم الإحساسي ، وتوقف العلم الخيالي على العلم الإحساسي ، وإلا فالصورة الذهنية كيفما فرضت ، لا تأبى أن تصدق على كثيرين.

والقسمان جميعا مجردان عن المادة لما تقدم (١) ، من فعلية الصورة العلمية ، في ذاتها وعدم قبولها للتغير.

وأيضا الصورة العلمية كيفما فرضت ، لا تمتنع عن الصدق على كثيرين ، وكل أمر مادي متشخص ، ممتنع الصدق على أزيد من شخص واحد.

وأيضا لو كانت الصورة الحسية أو الخيالية مادية ، منطبعة بنوع من الانطباع في جزء بدني ، لكانت منقسمة بانقسام محلها ، ولكان في مكان وزمان وليس كذلك ، فالعلم لا يقبل القسمة ، ولا يشار إليه إشارة وضعية مكانية ، ولا أنه مقيد بزمان ، لصحة تصورنا الصورة المحسوسة في وقت ، بعد أمد بعيد على ما كانت عليه ، من غير تغير فيها ، ولو كانت مقيدة بالزمان لتغيرت بتقضيه.

وما يتوهم من مقارنة حصول العلم للزمان ، إنما هو مقارنة شرائط حصول الاستعداد له ، لا نفس العلم.

وأما توسط أدوات الحس في حصول الصورة المحسوسة ، وتوقف الصورة الخيالية على ذلك ، فإنما هو لحصول الاستعداد الخاص للنفس ، لتقوى به على تمثيل الصورة العلمية ، وتفصيل القول في علم النفس ، ومما تقدم يظهر أن قولهم ،

__________________

(١) في الفصل السابق.

إن التعقل إنما هو بتقشير المعلوم ، عن المادة والأعراض المشخصة له ، حتى لا يبقى إلا الماهية المعراة عن القشور ، كالإنسان المجرد عن المادة الجسمية ، والمشخصات الزمانية والمكانية والوضعية وغيرها ، بخلاف الإحساس المشروط بحضور المادة ، واكتناف الأعراض والهيئات الشخصية ، والخيال المشروط ببقاء الأعراض والهيئات المشخصة ، من دون حضور المادة ، قول على سبيل التمثيل للتقريب ، وإلا فالمحسوس صورة مجردة علمية ، واشتراط حضور المادة والاكتناف بالأعراض ، المشخصة لحصول الاستعداد في النفس للإحساس ، وكذا اشتراط الاكتناف بالمشخصات للتخيل ، وكذا اشتراط التقشير في التعقل ، للدلالة على اشتراط تخيل أزيد من فرد واحد ، في حصول استعداد النفس لتعقل الماهية الكلية ، المعبر عنه بانتزاع الكلي من الأفراد.

وتبين مما تقدم أيضا أن الوجود ينقسم ، من حيث التجرد عن المادة وعدمه ، إلى ثلاثة عوالم كلية ، أحدها عالم المادة والقوة ، والثاني عالم التجرد عن المادة دون آثارها ، من الشكل والمقدار والوضع وغيرها ، ففيه الصور الجسمانية وأعراضها وهيئاتها الكمالية ، من غير مادة تحمل القوة والانفعال ، ويسمى عالم المثال والبرزخ ، بين عالم العقل وعالم المادة ، والثالث عالم التجرد عن المادة وآثارها ، ويسمى عالم العقل.

وقد قسموا عالم المثال إلى ، المثال الأعظم القائم بذاته ، والمثال الأصغر القائم بالنفس ، الذي تتصرف فيه النفس كيف تشاء ، بحسب الدواعي المختلفة الحقة والجزافية ، فتأتي أحيانا بصور حقة صالحة ، وأحيانا بصور جزافية تعبث بها.

والعوالم الثلاثة المذكورة مترتبة طولا ، فأعلاها مرتبة وأقواها وأقدمها وجودا ، وأقربها من المبدإ الأول تعالى ، عالم العقول المجردة ، لتمام فعليتها وتنزه ذواتها عن شوب المادة والقوة ، ويليه عالم المثال المتنزه عن المادة دون آثارها ، ويليه عالم المادة موطن كل نقص وشر ، ولا يتعلق بما فيه علم ، إلا من

جهة ما يحاذيه من المثال والعقل.

الفصل الثالث

ينقسم العلم انقساما آخر إلى كلي وجزئي

والمراد بالكلي ما لا يتغير بتغير المعلوم بالعرض ، كصورة البناء التي يتصورها البناء ، في نفسه ليبنى عليها ، فالصورة عنده على حالها قبل البناء ، ومع البناء وبعد البناء وإن خرب وانهدم ، ويسمى علم ما قبل الكثرة ، والعلوم الحاصلة من طريق العلل ، كلية من هذا القبيل دائما ، كعلم المنجم بأن القمر منخسف ، يوم كذا ساعة كذا إلى مدة كذا ، يعود فيه الوضع السماوي ، بحيث يوجب حيلولة الأرض بينه وبين الشمس ، فعلمه ثابت على حاله قبل الخسوف ومعه وبعده.

والمراد بالجزئي ما يتغير بتغير المعلوم بالعرض ، كما إذا علمنا من طريق الإبصار بحركة زيد ، ثم إذا وقف عن الحركة ، تغيرت الصورة العلمية من الحركة إلى السكون ، ويسمى علم ما بعد الكثرة.

فإن قلت التغير لا يكون إلا بقوة سابقة ، وحاملها المادة ولازمه كون العلوم الجزئية مادية لا مجردة.

قلنا العلم بالتغير غير تغير العلم ، والمتغير ثابت في تغيره لا متغير ، وتعلق العلم به أعني حضوره عند العالم ، من حيث ثباته لا تغيره وإلا لم يكن حاضرا ، فلم يكن العلم حضور شيء لشيء هذا خلف.