درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۱۴: جلسه صد و چهاردهم

 

جهة ما يحاذيه من المثال والعقل.

الفصل الثالث

ينقسم العلم انقساما آخر إلى كلي وجزئي

والمراد بالكلي ما لا يتغير بتغير المعلوم بالعرض ، كصورة البناء التي يتصورها البناء ، في نفسه ليبنى عليها ، فالصورة عنده على حالها قبل البناء ، ومع البناء وبعد البناء وإن خرب وانهدم ، ويسمى علم ما قبل الكثرة ، والعلوم الحاصلة من طريق العلل ، كلية من هذا القبيل دائما ، كعلم المنجم بأن القمر منخسف ، يوم كذا ساعة كذا إلى مدة كذا ، يعود فيه الوضع السماوي ، بحيث يوجب حيلولة الأرض بينه وبين الشمس ، فعلمه ثابت على حاله قبل الخسوف ومعه وبعده.

والمراد بالجزئي ما يتغير بتغير المعلوم بالعرض ، كما إذا علمنا من طريق الإبصار بحركة زيد ، ثم إذا وقف عن الحركة ، تغيرت الصورة العلمية من الحركة إلى السكون ، ويسمى علم ما بعد الكثرة.

فإن قلت التغير لا يكون إلا بقوة سابقة ، وحاملها المادة ولازمه كون العلوم الجزئية مادية لا مجردة.

قلنا العلم بالتغير غير تغير العلم ، والمتغير ثابت في تغيره لا متغير ، وتعلق العلم به أعني حضوره عند العالم ، من حيث ثباته لا تغيره وإلا لم يكن حاضرا ، فلم يكن العلم حضور شيء لشيء هذا خلف.

الفصل الرابع

في أنواع التعقل

ذكروا أن التعقل على ثلاثة أنواع ، أحدها أن يكون العقل بالقوة ، أي لا يكون شيئا من المعقولات بالفعل ، ولا له شيء من المعقولات بالفعل ، لخلو النفس عن عامة المعقولات.

الثاني أن يعقل معقولا ، أو معقولات كثيرة بالفعل ، مميزا لبعضها من بعض مرتبا لها ، وهو العقل التفصيلي.

الثالث أن يعقل معقولات كثيرة عقلا ، بالفعل من غير أن يتميز بعضها من بعض ، وإنما هو عقل بسيط إجمالي فيه كل التفاصيل ، ومثلوا له بما إذا سألك سائل ، عن عدة من المسائل التي لك علم بها ، فحضرك الجواب في الوقت ، فأنت في أول لحظة تأخذ في الجواب ، تعلم بها جميعا علما يقينيا بالفعل ، لكن لا تميز لبعضها من بعض ، ولا تفصيل وإنما يحصل التميز والتفصيل بالجواب ، كان ما عندك منبع تنبع وتجري منه التفاصيل ، ويسمى عقلا إجماليا.

الفصل الخامس

في مراتب العقل

ذكروا أن مراتب العقل أربع ، إحداها كونه بالقوة بالنسبة إلى جميع المعقولات ، ويسمى عقلا

هيولانيا ، لشباهته في خلوه عن المعقولات الهيولى ، في كونها بالقوة بالنسبة إلى جميع الصور ، وثانيتها العقل بالملكة ، وهي المرتبة التي تعقل فيها الأمور البديهية ، من التصورات والتصديقات ، فإن تعلق العلم بالبديهيات ، أقدم من تعلقه بالنظريات.

وثالثتها العقل بالفعل ، وهو تعلقه النظريات بتوسيط البديهيات ، وإن كانت مرتبة بعضها على بعض.

ورابعتها عقله لجيمع ما استفاده ، من المعقولات البديهية والنظرية ، المطابقة لحقائق العالم العلوى والسفلى ، باستحضاره الجميع والتفاته إليها بالفعل ، فيكون عالما علميا مضاهيا للعالم العيني ، ويسمى العقل المستفاد.

الفصل السادس

في مفيض هذه الصور العلمية

أما الصور العقلية الكلية فإن مفيضها ، المخرج للإنسان مثلا من القوة إلى الفعل ، عقل مفارق للمادة ، عنده جميع الصور العقلية الكلية ، وذلك أنك قد عرفت أن هذه الصور ، بما أنها علم مجردة عن المادة ، على أنها كلية تقبل الاشتراك بين كثيرين ، وكل أمر حال في المادة ، واحد شخصي لا يقبل الاشتراك ، فالصورة العقلية مجردة عن المادة ، ففاعلها المفيض لها أمر مجرد عن المادة ، لأن الأمر المادي ضعيف الوجود ، فلا يصدر عنه ما هو أقوى منه وجودا ، على أن فعل المادة مشروط بالوضع الخاص ، ولا وضع للمجرد.

وليس هذا المفيض المجرد هو النفس ، العاقلة لهذه الصور المجردة العلمية ،