درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۱۶: صد و شانزدهم

 

الهليات البسيطة التي محمولها وجود الموضوع ، كقولنا الإنسان موجود ، فأجزاؤها ثلاثة ، الموضوع والمحمول والحكم إذ لا معنى لتخلل النسبة ، وهي الوجود الرابط بين الشيء ونفسه.

وأن القضية السالبة مؤلفة ، من الموضوع والمحمول ، والنسبة الحكمية الإيجابية ولا حكم فيها ، لا أن فيها حكما عدميا ، لأن الحكم جعل شيء شيئا ، وسلب الحكم عدم جعله لا جعل عدمه.

والحق أن الحاجة إلى تصور النسبة الحكمية ، إنما هي من جهة الحكم ، بما هو فعل النفس لا بما هو جزء القضية ، أي إن القضية إنما ، هي الموضوع والمحمول والحكم ، ولا حاجة في تحقق القضية ، بما هي قضية إلى تصور النسبة الحكمية ، وإنما الحاجة إلى تصورها ، لتحقق الحكم من النفس ، وجعلها الموضوع هو المحمول ، ويدل على ذلك ، تحقق القضية في الهليات البسيطة ، بدون النسبة الحكمية التي تربط المحمول بالموضوع.

فقد تبين بهذا البيان ، أولا أن القضية الموجبة ذات أجزاء ثلاثة ، الموضوع والمحمول والحكم ، والسالبة ذات جزءين الموضوع والمحمول ، وأن النسبة الحكمية ، تحتاج إليها النفس في فعلها الحكم ، لا القضية بما هي قضية في انعقادها.

وثانيا أن الحكم فعل من النفس ، في ظرف الإدراك الذهني ، وليس من الانفعال التصوري في شيء ، وحقيقة الحكم في قولنا زيد قائم مثلا ، أن النفس تنال من طريق الحس موجودا واحدا ، هو زيد القائم ثم تجزئه إلى مفهومي زيد ، والقائم وتخزنهما عندها ، ثم إذا أرادت حكاية ما وجدته في الخارج ، أخذت صورتي زيد والقائم من خزانتها ، وهما اثنتان ثم جعلتهما واحدا ذا وجود واحد ، وهذا هو الحكم الذي ذكرنا ، أنه فعل للنفس تحكى به الخارج على ما كان.

فالحكم فعل للنفس ، وهو مع ذلك من الصور الذهنية الحاكية لما

وراءها ، ولو كان الحكم تصورا مأخوذا من الخارج ، كانت القضية غير مفيدة لصحة السكوت ، كما في كل من المقدم والتالي في القضية الشرطية ، ولو كان تصورا أنشأته النفس من عندها ، من غير استعانة من الخارج ، لم يحك الخارج وثالثا ، أن التصديق يتوقف على تصور الموضوع والمحمول ، فلا تصديق إلا عن تصور.

الفصل الثامن

وينقسم العلم الحصولي إلى بديهي ونظري

والبديهي منه ما لا يحتاج ، في تصوره أو التصديق به ، إلى اكتساب ونظر ، كتصور مفهوم الشيء والوحدة ونحوهما ، وكالتصديق بأن الكل أعظم من جزئه ، وأن الأربعة زوج ، والنظري ما يتوقف ، في تصوره أو التصديق به على اكتساب ونظر ، كتصور ماهية الإنسان والفرس ، والتصديق بأن الزوايا الثلاث من المثلث ، مساوية لقائمتين ، وأن الإنسان ذو نفس مجردة.

والعلوم النظرية ، تنتهي إلى العلوم البديهية وتتبين بها ، وإلا ذهب الأمر إلى غير النهاية ، ثم لم يفد علما على ما بين في المنطق.

والبديهيات كثيرة مبينة في المنطق ، وأولاها بالقبول الأوليات ، وهي القضايا التي يكفي في التصديق بها ، تصور الموضوع والمحمول ، كقولنا الكل أعظم من جزئه ، وقولنا الشيء لا يسلب عن نفسه.

وأولى الأوليات بالقبول ، قضية استحالة اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، وهي قضية منفصلة حقيقية ، إما أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب ، ولا تستغنى عنها في إفادة العلم ، قضية نظرية ولا بديهية حتى الأوليات ، فإن قولنا الكل أعظم من جزئه ، إنما يفيد علما إذا كان نقيضه ، وهو قولنا

ليس الكل بأعظم من جزئه كاذبا.

فهي أول قضية مصدق بها لا يرتاب فيها ذو شعور ، وتبتنى عليها العلوم فلو وقع فيها شك ، سرى ذلك في جميع العلوم والتصديقات.

تتمة

السوفسطي المنكر لوجود العلم ، غير مسلم لقضية أولى الأوائل ، إذ في تسليمها اعتراف ، بأن كل قضيتين متناقضتين ، فإن إحداهما حقة صادقة.

ثم السوفسطي ، المدعي لانتفاء العلم والشاك في كل شيء ، إن اعترف بأنه يعلم أنه شاك ، فقد اعترف بعلم ما ، وسلم قضية أولى الأوائل ، فأمكن أن يلزم بعلوم كثيرة ، تماثل علمه بأنه شاك ، كعلمه بأنه يرى ويسمع ، ويلمس ويذوق ويشم ، وأنه ربما جاع فقصد ما يشبعه ، أو ظمأ فقصد ما يرويه ، وإذا ألزم بها ألزم بما دونها من العلوم ، لأن العلم ينتهي إلى الحس ما تقدم (١).

وإن لم يعترف بأنه يعلم أنه شاك ، بل أظهر أنه شاك في كل شيء ، وشاك في شكه لا يدري شيئا ، سقطت معه المحاجة ولم ينجع فيه برهان ، وهذا الإنسان إما مبتلى بمرض ، أورثه اختلالا في الإدراك ، فليراجع الطبيب ، وإما معاند للحق يظهر ما يظهر لدحضه ، فليضرب وليؤلم وليمنع مما يقصده ويريده ، وليؤمر بما يبغضه ويكرهه ، إذ لايرى حقيقة لشيء من ذلك.

نعم ربما راجع بعضهم هذه العلوم العقلية ، وهو غير مسلح بالأصول المنطقية ، ولا متدرب في صناعة البرهان ، فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بين الإثبات والنفي ، والحجج التي أقاموها على كل من طرفي النقيض ،

__________________

(١) في الفصل الثاني.