درس بدایة الحکمة

جلسه ۱۱۷: جلسه صد و هفدهم

 

ليس الكل بأعظم من جزئه كاذبا.

فهي أول قضية مصدق بها لا يرتاب فيها ذو شعور ، وتبتنى عليها العلوم فلو وقع فيها شك ، سرى ذلك في جميع العلوم والتصديقات.

تتمة

السوفسطي المنكر لوجود العلم ، غير مسلم لقضية أولى الأوائل ، إذ في تسليمها اعتراف ، بأن كل قضيتين متناقضتين ، فإن إحداهما حقة صادقة.

ثم السوفسطي ، المدعي لانتفاء العلم والشاك في كل شيء ، إن اعترف بأنه يعلم أنه شاك ، فقد اعترف بعلم ما ، وسلم قضية أولى الأوائل ، فأمكن أن يلزم بعلوم كثيرة ، تماثل علمه بأنه شاك ، كعلمه بأنه يرى ويسمع ، ويلمس ويذوق ويشم ، وأنه ربما جاع فقصد ما يشبعه ، أو ظمأ فقصد ما يرويه ، وإذا ألزم بها ألزم بما دونها من العلوم ، لأن العلم ينتهي إلى الحس ما تقدم (١).

وإن لم يعترف بأنه يعلم أنه شاك ، بل أظهر أنه شاك في كل شيء ، وشاك في شكه لا يدري شيئا ، سقطت معه المحاجة ولم ينجع فيه برهان ، وهذا الإنسان إما مبتلى بمرض ، أورثه اختلالا في الإدراك ، فليراجع الطبيب ، وإما معاند للحق يظهر ما يظهر لدحضه ، فليضرب وليؤلم وليمنع مما يقصده ويريده ، وليؤمر بما يبغضه ويكرهه ، إذ لايرى حقيقة لشيء من ذلك.

نعم ربما راجع بعضهم هذه العلوم العقلية ، وهو غير مسلح بالأصول المنطقية ، ولا متدرب في صناعة البرهان ، فشاهد اختلاف الباحثين في المسائل بين الإثبات والنفي ، والحجج التي أقاموها على كل من طرفي النقيض ،

__________________

(١) في الفصل الثاني.

ولم يقدر لقلة بضاعته على تمييز الحق من الباطل ، فتسلم طرفي النقيض في مسألة بعد مسألة ، فأساء الظن بالمنطق ، وزعم أن العلوم نسبية غير ثابتة ، والحقيقة بالنسبة إلى كل باحث ما دلت عليه حجته.

وليعالج أمثال هؤلاء بإيضاح القوانين المنطقية ، وإراءة قضايا بديهية لا تقبل الترديد في حال من الأحوال ، كضرورة ثبوت الشيء لنفسه ، واستحالة سلبه عن نفسه وغير ذلك ، وليبالغ في تفهيم معاني أجزاء القضايا ، وليؤمروا أن يتعلموا العلوم الرياضية.

وهاهنا طائفتان أخريان من الشكاكين ، فطائفة يتسلمون الإنسان وإدراكاته ، ويظهرون الشك في ما وراء ذلك ، فيقولون نحن وإدراكاتنا ونشك فيما وراء ذلك ، وطائفة أخرى تفطنوا بما في قولهم ، نحن وإدراكاتنا من الاعتراف بحقائق كثيرة ، من أناسي وإدراكات لهم ، وتلك حقائق خارجية ، فبدلوا الكلام بقولهم ، أنا وإدراكاتي وما وراء ذلك مشكوك.

ويدفعه أن الإنسان ربما يخطي في إدراكاته ، كما في موارد أخطاء الباصرة واللامسة ، وغيرها من أغلاط الفكر ، ولو لا أن هناك حقائق ، خارجة من الإنسان وإدراكاته ، تنطبق عليها إدراكاته أو لا تنطبق ، لم يستقم ذلك بالضرورة.

وربما قيل ، إن قول هؤلاء ليس من السفسطة في شيء ، بل المراد أن من المحتمل ، أن لا تنطبق الصور الظاهرة للحواس ، بعينها على الأمور الخارجية ، بما لها من الحقيقة كما قيل ، إن الصوت بما له من الهوية الظاهرة على السمع ، ليس له وجود في خارجه ، بل السمع إذا اتصل بالارتعاش بعدد كذا ، ظهر في السمع في صورة الصوت ، وإذا بلغ عدد الارتعاش كذا ارتعاشا ، ظهر في البصر في صورة الضوء واللون ، فالحواس التي هي مبادي الإدراك ، لا تكشف عما وراءها من الحقائق ، وسائر الإدراكات منتهية إلى الحواس.

وفيه أن الإدراكات ، إذا فرضت غير كاشفة عما وراءها ، فمن أين علم أن هناك حقائق وراء الإدراك ، لا يكشف عنها الإدراك ، ثم من أدرك أن حقيقة الصوت في خارج السمع ، ارتعاش بعدد كذا ، وحقيقة المبصر في خارج البصر ارتعاش بعدد كذا ، وهل يصل الإنسان إلى الصواب الذي يخطى فيه الحواس ، إلا من طريق الإدراك الإنساني.

وبعد ذلك كله تجويز ، أن لا ينطبق مطلق الإدراك على ما وراءه ، لا يحتمل إلا السفسطة ، حتى أن قولنا ، يجوز أن لا ينطبق شيء من إدراكاتنا على الخارج ، لا يؤمن أن لا يكشف ، بحسب مفاهيم مفرداته والتصديق ، الذي فيه عن شيء.

الفصل التاسع

وينقسم العلم الحصولي إلى حقيقي واعتباري

والحقيقي هو المفهوم الذي يوجد ، تارة بوجود خارجي فيترتب عليه آثاره ، وتارة بوجود ذهني لا يترتب عليه آثاره ، وهذا هو الماهية ، والاعتباري ما كان بخلاف ذلك ، وهو إما من المفاهيم التي حيثية مصداقها ، حيثية أنه في الخارج ، كالوجود وصفاته الحقيقية ، كالوحدة والفعلية وغيرهما ، فلا يدخل الذهن وإلا لانقلب ، وإما من المفاهيم التي حيثية مصداقها ، حيثية أنه في الذهن ، كمفهوم الكلي والجنس والنوع ، فلا يوجد في الخارج وإلا لانقلب.

وهذه المفاهيم إنما يعملها الذهن بنوع من التعمل ، ويوقعها على مصاديقها ، لكن لا كوقوع الماهية وحملها على أفرادها ، بحيث تؤخذ في حدها.

ومما تقدم يظهر أولا ، أن ما كان من المفاهيم ، محمولا على الواجب