درس مکاسب - بیع

جلسه ۴: معاطات ۱۹

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

وقد يستدلّ أيضاً بعموم قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) ؛ بناءً على أنّ العقد هو مطلق العهد ، كما في صحيحة عبد الله بن سنان (٢) ، أو العهد المشدّد ، كما عن بعض أهل اللغة (٣) ، وكيف كان ، فلا يختصّ باللفظ فيشمل المعاطاة.

وكذلك قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «المؤمنون عند شروطهم» (٤) ؛ فإنّ الشرط لغةً مطلق الالتزام (٥) ، فيشمل ما كان بغير اللفظ.

قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة

والحاصل : أنّ الحكم باللزوم في مطلق الملك وفي خصوص البيع ممّا لا ينكر ، إلاّ أنّ الظاهر فيما نحن فيه قيام الإجماع على عدم لزوم المعاطاة ، بل ادّعاه صريحاً بعض الأساطين في شرح القواعد (٦) ، ويعضده الشهرة المحقّقة ، بل لم يوجد به قائل إلى زمان بعض متأخّري المتأخّرين (٧) ، فإنّ العبارة المحكيّة عن المفيد رحمه‌الله (٨) في المقنعة لا تدلّ‌

__________________

(١) المائدة : ١.

(٢) تفسير القمّي ١ : ١٦٠ ، وتفسير العياشي ١ : ٢٨٩ ، الحديث ٥. وعنه الوسائل ١٦ : ٢٠٦ ، الباب ٢٥ من كتاب النذر والعهد ، الحديث ٣.

(٣) انظر لسان العرب ٩ : ٣٠٩ ، والقاموس ١ : ٣١٥ ، مادّة : «عقد» ، ومجمع البحرين ٣ : ١٠٣.

(٤) الوسائل ١٥ : ٣٠ ، الباب ٢٠ من أبواب المهور ، ذيل الحديث ٤.

(٥) قال الفيروزآبادي في القاموس (٢ : ٣٦٨) : الشرط إلزام الشي‌ء والتزامه في البيع ونحوه.

(٦) شرح القواعد (مخطوط) : الورقة : ٤٩.

(٧) كالمحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٨ : ١٤٤ ، والمحدّث الكاشاني في مفاتيح الشرائع ٣ : ٤٨.

(٨) عبارة «المحكيّة عن المفيد» لم ترد في «ف» ، وشطب عليها في «ن».

على هذا القول كما عن المختلف الاعتراف به (١) فإنّه قال (٢) : ينعقد البيع على تراضٍ بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعاً ، وتراضيا بالبيع ، وتقابضا ، وافترقا بالأبدان (٣) ، انتهى.

ويقوى إرادة بيان شروط صحّة العقد الواقع بين اثنين وتأثيره في اللزوم ؛ وكأنّه لذلك (٤) حكى كاشف الرموز عن المفيد والشيخ رحمهما الله : أنّه لا بدّ في البيع عندهما من لفظٍ مخصوص (٥).

وقد تقدّم دعوى الإجماع من الغنية على عدم كونها بيعاً (٦) ، وهو نصّ في عدم اللزوم ، ولا يقدح كونه ظاهراً في عدم الملكيّة الذي لا نقول به.

التشكيك في انعقاد الإجماع

وعن جامع المقاصد : يعتبر اللفظ في العقود اللازمة بالإجماع (٧).

نعم ، قول العلاّمة رحمه‌الله في التذكرة : «إنّ الأشهر عندنا أنّه لا بدّ‌

__________________

(١) المختلف ٥ : ٥١ ، وفيه بعد نقل عبارة المقنعة ـ : وليس في هذا تصريح بصحّته إلاّ أنّه موهم.

(٢) كذا في «ف» ، «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : فإنّ المحكيّ عنه أنّه قال.

(٣) المقنعة : ٥٩١.

(٤) في «ف» : لذا.

(٥) كشف الرموز ١ : ٤٤٥ ٤٤٦.

(٦) تقدّم في الصفحة ٢٩.

(٧) جامع المقاصد ٥ : ٣٠٩ ، وفيه : «لأنّ النطق معتبر في العقود اللازمة بالإجماع» ، وحكاه عنه المحقّق التستري في مقابس الأنوار : ٢٧٦.

من الصيغة» (١) يدلّ على وجود الخلاف المعتدّ به في المسألة ، ولو كان المخالف شاذّا لعبّر بالمشهور ، وكذلك نسبته في المختلف إلى الأكثر (٢) ، وفي التحرير : أنّ الأقوى أنّ المعاطاة غير لازمة (٣).

عدم كشف هذا الإجماع عن رأي المعصوم على فرض حصوله

ثمّ لو فرضنا الاتّفاق من العلماء على عدم لزومها مع ذهاب كثيرهم أو أكثرهم إلى أنّها ليست مملّكة ، وإنّما تفيد الإباحة لم يكن هذا الاتّفاق كاشفاً ؛ إذ القول باللزوم فرع الملكيّة ، ولم يقل بها إلاّ بعض من تأخّر عن المحقّق الثاني (٤) تبعاً له ، وهذا ممّا يوهن حصول القطع بل الظنّ من الاتّفاق المذكور ؛ لأنّ قول الأكثر بعدم اللزوم سالبة بانتفاء (٥) الموضوع.

القول بالملك اللازم قول ثالث

نعم ، يمكن أن يقال بعد ثبوت الاتّفاق المذكور ـ : إنّ أصحابنا بين قائلٍ بالملك الجائز ، وبين قائلٍ بعدم الملك رأساً ، فالقول بالملك اللازم قولٌ ثالث ، فتأمّل.

وكيف كان ، فتحصيل الإجماع على وجه استكشاف قول الإمام عن قول غيره من العلماء كما هو طريق (٦) المتأخّرين مشكل ؛

__________________

(١) التذكرة ١ : ٤٦٢.

(٢) المختلف ٥ : ٥١.

(٣) التحرير ١ : ١٦٤.

(٤) مثل المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ٨ : ١٣٩ ، وغيره ، راجع الصفحة ٤٠ ، الهامش ٣.

(٥) في «ف» : منتفية.

(٦) في «ف» : طريقة.

لما ذكرنا (١) وإن كان هذا لا يقدح في الإجماع على طريق القدماء ، كما بُيِّن في الأُصول (٢).

وبالجملة ، فما ذكره في المسالك من قوله بعد ذكر قول من اعتبر (٣) مطلق اللفظ في اللزوم ـ : «ما أحسنه وأمتن (٤) دليله إن لم يكن إجماع (٥) على خلافه» (٦) في غاية الحسن والمتانة.

ما يدل على عدم لزوم المعاطاة

والإجماع وإن لم يكن محقّقاً على وجه يوجب القطع ، إلاّ أنّ المظنون قويّاً تحقّقه على عدم اللزوم ، مع عدم لفظٍ دالٍّ على إنشاء التمليك ، سواء لم يوجد لفظ أصلاً أم وجد ولكن لم ينشأ التمليك به (٧) ، بل كان من جملة القرائن على قصد التمليك بالتقابض.

وقد يظهر ذلك من غير واحد من الأخبار (٨) ، بل يظهر (٩) منها أنّ إيجاب البيع باللفظ دون مجرّد التعاطي كان متعارفاً بين أهل السوق والتجّار.

__________________

(١) في الصفحة السابقة.

(٢) راجع فرائد الأُصول : ٧٩ ٨٣.

(٣) في «ش» : من لم يعتبر.

(٤) كذا في «ف» ، وفي غيره : وما أمتن.

(٥) في «ش» والمصدر : إن لم ينعقد الإجماع.

(٦) المسالك ٣ : ١٥٢.

(٧) في «ف» : به التمليك.

(٨) انظر الوسائل ١٢ : ١١٤ ، الباب ٣١ من أبواب ما يكتسب به ، والصفحة ٣٧٥ و ٣٨٥ ، الباب ٨ و ١٤ من أبواب أحكام العقود.

(٩) في «ف» : بل قد يظهر.

بل يمكن دعوى السيرة على عدم الاكتفاء في البيوع الخطيرة التي يراد بها عدم الرجوع بمجرّد التراضي. نعم ، ربما يكتفون بالمصافقة ، فيقول البائع : بارك الله لك ، أو ما أدّى هذا المعنى بالفارسية (١). نعم ، يكتفون بالتعاطي في المحقّرات ولا يلتزمون بعدم جواز الرجوع فيها ، بل ينكرون على الممتنع عن الرجوع مع بقاء العينين. نعم ، الاكتفاء في اللزوم (٢) بمطلق الإنشاء القولي غير بعيد ؛ للسيرة ولغير واحدٍ من الأخبار ، كما سيجي‌ء إن شاء الله تعالى في شروط الصيغة.

الاستدلال بحديث «إنّما يحلّل الكلام» على عدم الإباحة أو عدم اللزوم

بقي الكلام في الخبر الذي تُمُسِّك به في باب المعاطاة ، تارةً على عدم إفادة المعاطاة إباحة التصرّف ، وأُخرى على عدم إفادتها اللزوم ؛ جمعاً بينه وبين ما دلّ على صحّة مطلق البيع كما صنعه في الرياض (٣) وهو قوله عليه‌السلام : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام».

وتوضيح المراد منه يتوقّف على بيان تمام الخبر ، وهو ما رواه ثقة الإسلام في باب «بيع ما ليس عنده» ، والشيخ في باب «النقد والنسيئة» عن ابن أبي عمير ، عن يحيى بن الحجّاج ، عن خالد بن الحجّاج (٤) أو ابن نجيح (٥) قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الرجل‌

__________________

(١) وردت عبارة : «نعم إلى بالفارسية» في أكثر النسخ في المتن وفي بعضها في الهامش ، لكن شطب عليها في «ف» ، وكُتب عليها في «ن» : زائد.

(٢) في «ف» : باللزوم.

(٣) الرياض ١ : ٥١١.

(٤) كما في التهذيب.

(٥) كما في الكافي.