درس مکاسب - بیع

جلسه ۸۶: بلوغ ۲

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

الآخر كان باطلاً ، وكذا لو أوقع إيجاب النكاح أو قبوله لغيره بإذن وليّه.

المناقشة في دلالة حديث رفع القلم

وأمّا حديث رفع القلم ، ففيه :

أوّلاً : أنّ الظاهر منه قلم المؤاخذة ، لا قلم جعل الأحكام ؛ ولذا بنينا كالمشهور على شرعيّة عبادات الصبيّ.

وثانياً : أنّ المشهور على الألسنة أنّ الأحكام الوضعيّة ليست مختصّة بالبالغين ، فلا مانع من أن يكون عقده سبباً لوجوب الوفاء بعد البلوغ ، أو على الوليّ إذا وقع بإذنه أو إجازته ، كما يكون جنابته سبباً لوجوب غسله بعد البلوغ وحرمة تمكينه من مسّ المصحف.

وثالثاً : لو سلّمنا اختصاص الأحكام حتّى الوضعية بالبالغين ، لكن لا مانع من كون فعل غير البالغ موضوعاً للأحكام المجعولة في حقّ البالغين ، فيكون الفاعل كسائر غير البالغين خارجاً عن ذلك الحكم إلى وقت البلوغ.

ترديد بعضهم في الصحّة ، وتصريح آخرين بها

وبالجملة ، فالتمسّك بالرواية ينافي ما اشتهر بينهم من شرعيّة عبادة الصبيّ ، وما اشتهر بينهم من عدم اختصاص الأحكام الوضعيّة بالبالغين. فالعمدة في سلب عبارة الصبي هو الإجماع المحكي (١) ، المعتضد بالشهرة العظيمة ، وإلاّ فالمسألة محلّ إشكال ؛ ولذا تردّد المحقّق في الشرائع في إجارة المميّز بإذن الوليّ (٢) بعد ما جزم بالصحّة في العارية (٣) ،

__________________

(١) تقدّم حكايته عن الغنية والتذكرة في أوّل المسألة.

(٢) الشرائع ٢ : ١٨٠.

(٣) الشرائع ٢ : ١٧١.

واستشكل فيها في القواعد (١) والتحرير (٢).

وقال في القواعد : وفي صحّة بيع المميّز بإذن الوليّ نظر (٣) ، بل عن الفخر في شرحه : أنّ الأقوى الصحّة ؛ مستدلا بأنّ العقد إذا وقع بإذن الولي كان كما لو صدر عنه (٤) ولكن لم أجده فيه وقوّاه المحقّق الأردبيلي على ما حكي عنه (٥).

ويظهر من التذكرة عدم ثبوت الإجماع عنده ، حيث قال : وهل يصحّ بيع المميّز وشراؤه؟ الوجه عندي : أنّه لا يصحّ (٦).

واختار في التحرير : صحّة بيع الصبي في مقام اختبار رشده (٧).

وذكر المحقّق الثاني : أنّه لا يبعد بناء المسألة على أنّ أفعال الصبيّ وأقواله شرعيّة أم لا ، ثمّ حكم بأنّها غير شرعيّة ، وأنّ الأصحّ بطلان العقد (٨).

__________________

(١) القواعد ١ : ٢٢٤.

(٢) التحرير ١ : ٢٤٤.

(٣) القواعد ١ : ١٦٩.

(٤) حكاه عنه المحقّق التستري في مقابس الأنوار (الصفحة ١١٠) ، ولكنّ الموجود في الإيضاح (٢ : ٥٥) ذيل عبارة والده هكذا : «والأقوى عدم الصحّة» ، ولم نعثر فيه على غيره.

(٥) لم نعثر على الحاكي عنه بهذا النحو ، نعم في المقابس (الصفحة ١١٠) : ومال المقدّس الأردبيلي في كتابه إلى جواز بيعه مع الرشد وإذن الوليّ ، انظر مجمع الفائدة ٨ : ١٥٢ ١٥٣.

(٦) التذكرة ٢ : ٨٠ ، وفيه : وشراؤه بإذن الوليّ.

(٧) التحرير ١ : ٢١٨.

(٨) جامع المقاصد ٥ : ١٩٤.

وعن المختلف أنّه حكى في باب المزارعة عن القاضي كلاماً يدلّ على صحّة بيع الصبي (١).

وبالجملة ، فالمسألة لا تخلو عن إشكال ، وإن أطنب بعض المعاصرين (٢) في توضيحه حتّى ألحقه بالبديهيات في ظاهر كلامه.

الحجة في المسألة هي الشهرة والإجماع المحكي

فالإنصاف : أنّ الحجّة في المسألة هي الشهرة المحقّقة والإجماع المحكيّ عن التذكرة (٣) ؛ بناءً على أنّ استثناء الإحرام الذي لا يجوز إلاّ بإذن الوليّ شاهد على أنّ مراده بالحَجر ما يشمل سلب العبارة ، لا نفي الاستقلال في التصرّف ؛ وكذا إجماع الغنية (٤) ؛ بناءً على أنّ استدلاله بعد الإجماع بحديث «رفع القلم» دليل على شمول معقده للبيع بإذن الوليّ. وليس المراد نفي صحّة البيع المتعقّب بالإجازة ، حتّى يقال : إنّ الإجازة عند السيّد (٥) غير مجدية في تصحيح مطلق العقد الصادر من غير المستقلّ ولو كان غير مسلوب العبارة ، كالبائع الفضولي.

ويؤيّد الإجماعين ما تقدّم عن كنز العرفان (٦).

المناقشة في تحقق الإجماع

نعم لقائلٍ أن يقول : إنّ ما عرفت من المحقّق والعلاّمة وولده‌

__________________

(١) حكى المحقّق التستري في مقابس الأنوار (الصفحة ١١٠) ما نقله العلاّمة عن القاضي ، وقال : «ومقتضاه صحّة شراء الصبي وبيعه» ، انظر المختلف ٦ : ١٨٨ ، والمهذّب ٢ : ٢٠.

(٢) الظاهر أنّ المراد هو صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٢ : ٢٦١ ، وانظر مقابس الأنوار : ١١١ ١١٢ أيضاً.

(٣) التذكرة ٢ : ٧٣.

(٤) الغنية : ٢١٠.

(٥) يعني السيّد ابن زهرة.

(٦) تقدّم في أوّل المسألة.

والقاضي وغيرهم خصوصاً (١) المحقّق الثاني (٢) الذي بنى المسألة على شرعية أفعال الصبيّ يدلّ على عدم تحقّق الإجماع.

العمل وفق المشهور ، وهو البطلان

وكيف كان ، فالعمل على المشهور (٣).

ما يستأنس به للبطلان

ويمكن (٤) أن يستأنس له أيضاً بما ورد في الأخبار المستفيضة من أنّ «عمد الصبي وخطأه واحد» كما في صحيحة ابن مسلم (٥) وغيرها (٦) ، والأصحاب وإن ذكروها في باب الجنايات ، إلاّ أنّه لا إشعار في نفس الصحيحة بل وغيرها بالاختصاص بالجنايات ؛ ولذا تمسّك بها الشيخ في المبسوط (٧) والحلّي في السرائر (٨) ، على أنّ إخلال الصبيّ المُحرِم بمحظورات الإحرام التي تختصّ الكفارة فيها (٩) بحال التعمّد لا يوجب كفارةً على الصبيّ ، ولا على الوليّ ؛ لأنّ عمده خطأ.

__________________

(١) لم ترد «غيرهم خصوصاً» إلاّ في «ف» ، «ش» ومصحّحة «ن».

(٢) تقدّم كلامهم في الصفحة ٢٧٨ ٢٨٠.

(٣) لم ترد «فالعمل على المشهور» في «ف».

(٤) في «ف» : فيمكن.

(٥) في «ف» : محمد بن مسلم.

(٦) الوسائل ١٩ : ٣٠٧ ، الباب ١١ من أبواب العاقلة ، الحديث ٢ و ٣ ، والصفحة ٦٦ ، الباب ٣٦ من أبواب كتاب القصاص في النفس ، الحديث ٢.

(٧) المبسوط ١ : ٣٢٩.

(٨) السرائر ١ : ٦٣٦ ٦٣٧.

(٩) كذا في «ف» ، وفي «ص» بدل «الكفارة فيها» : «حرمتها» ، وفي غيرهما جمع بينهما بجعل أحدهما أصلاً والآخر بدلاً ، وفي «ش» جمع بينهما مع عدم الإشارة إلى ذلك.

وحينئذٍ فكلّ حكمٍ شرعيٍّ تعلّق بالأفعال التي يعتبر في ترتّب الحكم الشرعي عليها القصد بحيث لا عبرة بها إذا وقعت بغير القصد فما يصدر منها عن الصبيّ قصداً بمنزلة الصادر عن غيره بلا قصد ، فعقد الصبي وإيقاعه مع القصد كعقد الهازل والغالط والخاطئ وإيقاعاتهم.

استظهار البطلان من حديث رفع القلم

بل يمكن بملاحظة بعض ما ورد من هذه الأخبار في قتل المجنون والصبي استظهار المطلب من حديث «رفع القلم» وهو ما عن قرب الإسناد بسنده عن أبي البختري ، عن جعفر ، عن أبيه ، عن علي عليه‌السلام ، أنّه كان يقول [في (١)] المجنون والمعتوه الذي لا يفيق ، والصبي الذي لم يبلغ : «عمدهما خطأ تحمله العاقلة وقد رفع عنهما القلم (٢)» (٣) ؛ فإنّ ذكر «رفع القلم» في الذيل ليس له وجه ارتباط إلاّ بأن تكون علّة لأصل الحكم ، وهو ثبوت الدية على العاقلة ، أو بأن تكون معلولة (٤) لقوله : «عمدهما خطأ» ، يعني أنّه لمّا كان قصدهما بمنزلة العدم في نظر الشارع وفي الواقع رفع القلم عنهما.

ولا يخفى أنّ ارتباطها (٥) بالكلام على وجه العلّية أو المعلوليّة (٦)

__________________

(١) من المصدر.

(٢) في «ف» زيادة : «إلخ» ، وفي سائر النسخ : «اه» ، لكنّ المذكور هنا هو المذكور في المصدر بتمامه.

(٣) قرب الإسناد : ١٥٥ ، الحديث ٥٦٩ ، وعنه في الوسائل ١٩ : ٦٦ ، الباب ٣٦ من أبواب القصاص في النفس ، الحديث ٢.

(٤) كذا ، والمناسب : بأن يكون معلولاً.

(٥) كذا ، والمناسب تذكير الضمير ؛ لرجوعه إلى «رفع القلم».

(٦) في «ش» : والمعلوليّة.