درس مکاسب - بیع

جلسه ۲۰: معاطات ۱۴

 

لما ذكرنا (١) وإن كان هذا لا يقدح في الإجماع على طريق القدماء ، كما بُيِّن في الأُصول (٢).

وبالجملة ، فما ذكره في المسالك من قوله بعد ذكر قول من اعتبر (٣) مطلق اللفظ في اللزوم ـ : «ما أحسنه وأمتن (٤) دليله إن لم يكن إجماع (٥) على خلافه» (٦) في غاية الحسن والمتانة.

ما يدل على عدم لزوم المعاطاة

والإجماع وإن لم يكن محقّقاً على وجه يوجب القطع ، إلاّ أنّ المظنون قويّاً تحقّقه على عدم اللزوم ، مع عدم لفظٍ دالٍّ على إنشاء التمليك ، سواء لم يوجد لفظ أصلاً أم وجد ولكن لم ينشأ التمليك به (٧) ، بل كان من جملة القرائن على قصد التمليك بالتقابض.

وقد يظهر ذلك من غير واحد من الأخبار (٨) ، بل يظهر (٩) منها أنّ إيجاب البيع باللفظ دون مجرّد التعاطي كان متعارفاً بين أهل السوق والتجّار.

__________________

(١) في الصفحة السابقة.

(٢) راجع فرائد الأُصول : ٧٩ ٨٣.

(٣) في «ش» : من لم يعتبر.

(٤) كذا في «ف» ، وفي غيره : وما أمتن.

(٥) في «ش» والمصدر : إن لم ينعقد الإجماع.

(٦) المسالك ٣ : ١٥٢.

(٧) في «ف» : به التمليك.

(٨) انظر الوسائل ١٢ : ١١٤ ، الباب ٣١ من أبواب ما يكتسب به ، والصفحة ٣٧٥ و ٣٨٥ ، الباب ٨ و ١٤ من أبواب أحكام العقود.

(٩) في «ف» : بل قد يظهر.

بل يمكن دعوى السيرة على عدم الاكتفاء في البيوع الخطيرة التي يراد بها عدم الرجوع بمجرّد التراضي. نعم ، ربما يكتفون بالمصافقة ، فيقول البائع : بارك الله لك ، أو ما أدّى هذا المعنى بالفارسية (١). نعم ، يكتفون بالتعاطي في المحقّرات ولا يلتزمون بعدم جواز الرجوع فيها ، بل ينكرون على الممتنع عن الرجوع مع بقاء العينين. نعم ، الاكتفاء في اللزوم (٢) بمطلق الإنشاء القولي غير بعيد ؛ للسيرة ولغير واحدٍ من الأخبار ، كما سيجي‌ء إن شاء الله تعالى في شروط الصيغة.

الاستدلال بحديث «إنّما يحلّل الكلام» على عدم الإباحة أو عدم اللزوم

بقي الكلام في الخبر الذي تُمُسِّك به في باب المعاطاة ، تارةً على عدم إفادة المعاطاة إباحة التصرّف ، وأُخرى على عدم إفادتها اللزوم ؛ جمعاً بينه وبين ما دلّ على صحّة مطلق البيع كما صنعه في الرياض (٣) وهو قوله عليه‌السلام : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام».

وتوضيح المراد منه يتوقّف على بيان تمام الخبر ، وهو ما رواه ثقة الإسلام في باب «بيع ما ليس عنده» ، والشيخ في باب «النقد والنسيئة» عن ابن أبي عمير ، عن يحيى بن الحجّاج ، عن خالد بن الحجّاج (٤) أو ابن نجيح (٥) قال : «قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : الرجل‌

__________________

(١) وردت عبارة : «نعم إلى بالفارسية» في أكثر النسخ في المتن وفي بعضها في الهامش ، لكن شطب عليها في «ف» ، وكُتب عليها في «ن» : زائد.

(٢) في «ف» : باللزوم.

(٣) الرياض ١ : ٥١١.

(٤) كما في التهذيب.

(٥) كما في الكافي.

يجيئني ويقول : اشتر لي هذا الثوب وأُربحك كذا وكذا. فقال : أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟ قلت : بلى. قال : لا بأس ، إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام (١)» (٢).

وقد ورد بمضمون هذا الخبر روايات أُخر مجرّدة عن قوله عليه‌السلام : «إنّما يحلّل .. إلخ» (٣) ، كلّها تدلّ على أنّه لا بأس بهذه المواعدة والمقاولة ما لم يوجب بيع المتاع قبل أن يشتريه من صاحبه.

ونقول : إنّ هذه الفقرة مع قطع النظر عن صدر الرواية تحتمل وجوهاً :

الوجوه المحتملة في معنى هذا الحديث :

الوجه الأوّل

الأوّل : أن يراد من «الكلام» في المقامين اللفظ الدالّ على التحليل والتحريم (٤) ، بمعنى أنّ تحريم شي‌ءٍ وتحليله لا يكون إلاّ بالنطق بهما ، فلا يتحقّق بالقصد المجرّد عن الكلام ، ولا بالقصد المدلول عليه بالأفعال دون الأقوال.

الوجه الثانی

الثاني : أن يراد ب «الكلام» اللفظ مع مضمونه ، كما في قولك : «هذا الكلام صحيح» أو «فاسد» ، لا مجرّد اللفظ أعني الصوت ويكون المراد : أنّ المطلب الواحد يختلف حكمه الشرعي حِلاّ وحرمة (٥)

__________________

(١) في «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» زيادة : «الخبر» ، والظاهر أنّه لا وجه له ؛ لأنّ الخبر مذكور بتمامه.

(٢) انظر الكافي ٥ : ٢٠١ ، الحديث ٦ ، والتهذيب ٧ : ٥٠ ، الحديث ٢١٦ ، والوسائل ١٢ : ٣٧٦ ، الباب ٨ من أبواب أحكام العقود ، الحديث ٤.

(٣) انظر الوسائل ١٢ : ٣٧٥ ، الباب ٨ من أبواب العقود.

(٤) كذا في «ف» ، وفي غيره : التحريم والتحليل.

(٥) في «ف» : أو حرمة.

باختلاف المضامين المؤدّاة بالكلام ، مثلاً (١) : المقصود الواحد ، وهو التسليط على البضع مدّة معيّنة يتأتّى بقولها : «ملّكتك بضعي» أو «سلّطتك عليه» أو «آجرتك نفسي» أو «أحللتها لك» ، وبقولها : «متّعتك (٢) نفسي بكذا» ، فما عدا الأخير موجب لتحريمه ، والأخير محلّل ، وبهذا (٣) المعنى ورد قوله عليه‌السلام : «إنّما يحرّم الكلام» في عدّة من روايات المزارعة (٤).

منها : ما في التهذيب عن ابن محبوب ، عن خالد بن جرير (٥) ، عن أبي الربيع الشامي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام : أنّه سُئل عن الرجل يزرع أرض رجلٍ آخر فيشترط عليه ثلثاً للبذر ، وثلثاً للبقر ، فقال : «لا ينبغي له أن يسمّي بذراً ولا بقراً ، ولكن يقول لصاحب الأرض : أزرع في أرضك ولك منها كذا وكذا : نصف ، أو ثلث ، أو ما كان من شرط ، ولا يسمّي بذراً ولا بقراً ؛ فإنّما يحرّم الكلام» (٦).

__________________

(١) كلمة «مثلاً» ساقطة من «خ» ، «م» ، «ع» و «ص».

(٢) كذا في «ف» ، وفي غيره : متّعت.

(٣) كذا في «ف» ، وفي غيره : على هذا.

(٤) راجع الوسائل ١٣ : ٢٠٠ ٢٠١ ، الباب ٨ من أبواب المزارعة والمساقاة ، الحديث ٤ ، ٦ و ١٠.

(٥) عبارة «عن خالد بن جرير» من «ش» والمصدر.

(٦) التهذيب ٧ : ١٩٤ ، الحديث ٨٥٧ ، وعنه الوسائل ١٣ : ٢٠١ ، الباب ٨ من أبواب المزارعة ، الحديث ١٠. وبما أنّ الحديث ورد مختلفاً في النسخ ، ومع تقديمٍ وتأخير في بعضها ، فلذلك أثبتناه طبقاً لنسخة «ش» التي هي مطابقة مع المصدر.