درس مکاسب - بیع

جلسه ۴۲: الفاظ بیع ۱

 

كما فيما نحن فيه هو الأصل ، بل لفحوى ما ورد من عدم اعتبار اللفظ في طلاق الأخرس (١) ، فإنّ حمله على صورة عجزه عن التوكيل حمل المطلق على الفرد النادر ، مع أنّ الظاهر عدم الخلاف في عدم الوجوب.

ثمّ لو قلنا : بأنّ الأصل في المعاطاة اللزوم بعد القول بإفادتها الملكيّة (٢) ، فالقدر المخرج صورة قدرة المتبايعين على مباشرة اللفظ.

كفاية الكتابة مع العجز عن الإشارة

والظاهر أيضاً : كفاية الكتابة مع العجز عن الإشارة ؛ لفحوى ما ورد من النصّ على جوازها في الطلاق (٣) ، مع أنّ الظاهر عدم الخلاف فيه. وأمّا مع القدرة على الإشارة فقد رجّح بعض (٤) الإشارة ؛ ولعلّه لأنّها أصرح في الإنشاء من الكتابة. وفي بعض روايات الطلاق ما يدلّ على العكس (٥) ، وإليه ذهب الحلّي رحمه‌الله هناك (٦).

الخصوصيات المعتبرة في ألفاظ العقود

ثمّ الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ :

تارةً يقع في موادّ الألفاظ من حيث إفادة المعنى بالصراحة‌

__________________

(١) الوسائل ١٥ : ٢٩٩ ، الباب ١٩ من أبواب الطلاق.

(٢) كذا في «ف» ، وفي غيرها : للملكية.

(٣) الوسائل ١٥ : ٢٩٩ ، الباب ١٩ من أبواب الطلاق ، الحديث الأوّل.

(٤) كالشيخ الكبير كاشف الغطاء ، انظر شرحه على القواعد (مخطوط) : الورقة ٤٩.

(٥) مثل صحيحة البزنطي المشار إليها في الهامش ٣.

(٦) السرائر ٢ : ٦٧٨.

والظهور والحقيقة والمجاز والكناية ، ومن حيث اللغة المستعملة في معنى المعاملة (١).

وأُخرى في هيئة كلٍّ من الإيجاب والقبول ، من حيث اعتبار كونه بالجملة الفعليّة ، وكونه بالماضي.

وثالثة في هيئة تركيب الإيجاب والقبول من حيث الترتيب والموالاة.

المشهور عدم جواز الإنشاء بالألفاظ الكنائية والمجازية

أمّا الكلام من حيث المادّة ، فالمشهور عدم وقوع العقد بالكنايات.

قال في التذكرة : الرابع من شروط الصيغة : التصريح (٢) ، فلا يقع بالكناية بيعٌ البتّة ، مثل قوله : أدخلته في ملكك ، أو جعلته لك ، أو خذه منّي بكذا (٣) ، أو سلّطتك عليه بكذا ؛ عملاً بأصالة بقاء الملك ، ولأنّ المخاطب لا يدري بِمَ خوطب (٤) ، انتهى.

وزاد في غاية المراد على الأمثلة مثل (٥) قوله (٦) : «أعطيتكه بكذا» أو «تسلّط عليه بكذا» (٧).

__________________

(١) لم ترد عبارة «ومن حيث اللغة المستعملة في معنى المعاملة» في «ف».

(٢) كذا في «ش» والمصدر ، وفي سائر النسخ : الصريح.

(٣) من «ش» والمصدر.

(٤) التذكرة ١ : ٤٦٢.

(٥) لم ترد «مثل» في «ف».

(٦) في «ش» : قولك.

(٧) لم يزد إلاّ مثالاً واحداً وهو : «أعطيتك إيّاه بكذا» ، انظر غاية المراد : ٨١.

وربما يبدّل هذا باشتراط الحقيقة في الصيغة ، فلا ينعقد بالمجازات ، حتى صرّح بعضهم : بعدم الفرق بين المجاز القريب والبعيد (١).

والمراد بالصريح كما يظهر من جماعة من الخاصّة (٢) والعامّة (٣) في باب الطلاق ، وغيره ـ : ما كان موضوعاً لعنوان (٤) ذلك العقد لغةً أو شرعاً ، ومن الكناية : ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع ، فيفيد إرادة نفسه بالقرائن ، وهي على قسمين عندهم : جليّة وخفيّة.

الظاهر جواز الإنشاء بكل لفظ له ظهور عرفي في المعنى المقصود

والذي يظهر من النصوص المتفرّقة في أبواب العقود اللازمة (٥) والفتاوي المتعرّضة لصيغها في البيع بقولٍ مطلق وفي بعض أنواعه وفي غير البيع من العقود اللازمة (٦) ، هو : الاكتفاء بكلّ لفظٍ له ظهور عرفيّ معتدّ به في المعنى المقصود ، فلا فرق بين قوله : بعت وملّكت ، وبين قوله : نقلت إلى ملكك ، أو جعلته ملكاً لك بكذا ، وهذا هو الذي قوّاه جماعة من متأخّري المتأخّرين.

__________________

(١) حكى ذلك السيّد العاملي في مفتاح الكرامة (٤ : ١٤٩) عن أُستاذه الشريف السيّد الطباطبائي (بحر العلوم) ، وصرّح بعدم الفرق أيضاً صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٢ : ٢٤٩.

(٢) منهم فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد ٣ : ١٢ ، والشهيد الثاني في المسالك ٥ : ١٧٢.

(٣) انظر المغني ٦ : ٥٣٢ (فصل انعقاد النكاح وألفاظه) ، و ٧ : ١٢١ (باب ألفاظ الطلاق).

(٤) في «خ» ، «م» ، «ع» و «ص» : بعنوان.

(٥) منها ما تقدّمت الإشارة إليها في المعاطاة ، راجع الصفحة ٥٩ ، الهامش ٨.

(٦) سيأتي نصّ فتاوى بعضهم.

وحكي عن جماعة ممّن تقدّمهم كالمحقّق على ما حكي عن تلميذه كاشف الرموز ، أنّه حكى عن شيخه المحقّق ـ : أنّ عقد البيع لا يلزم فيه لفظٌ مخصوص ، وأنّه اختاره أيضاً (١).

ظهور كلمات الفقهاء في وقوع البيع بكل لفظ يدل عليه

وحكي عن الشهيد رحمه‌الله في حواشيه : أنّه جوّز البيع بكلّ لفظ دلّ عليه ، مثل : «سلّمت (٢) إليك» ، و «عاوضتك» (٣). وحكاه في المسالك عن بعض مشايخه المعاصرين (٤).

بل هو ظاهر العلاّمة رحمه‌الله في التحرير ، حيث قال : إنّ الإيجاب اللفظ الدالّ على النقل ، مثل : «بعتك» أو «ملّكتك» ، أو ما يقوم مقامهما (٥).

ونحوه المحكيّ عن التبصرة والإرشاد (٦) وشرحه لفخر الإسلام (٧).

فإذا كان الإيجاب هو اللفظ الدالّ على النقل ، فكيف لا ينعقد بمثل «نقلته إلى ملكك» ، أو «جعلته ملكاً لك بكذا»؟! بل ربما‌

__________________

(١) كشف الرموز ١ : ٤٤٦.

(٢) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وفي غيرهما : أسلمت.

(٣) حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٠.

(٤) المسالك ٣ : ١٤٧ ، وقد تقدّمت ترجمة الشخص المذكور في الصفحة ٣٧ ، الهامش ٦.

(٥) التحرير ١ : ١٦٤.

(٦) كذا حكاه عنهما السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٠ ، لكنّ الموجود فيهما لا يوافقه ، انظر التبصرة : ٨٨ ، والإرشاد ١ : ٣٥٩.

(٧) شرح الإرشاد (مخطوط) ، لا يوجد لدينا ، لكن حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٠.

يدّعى (١) : أنّه ظاهر كلّ من أطلق اعتبار الإيجاب والقبول فيه من دون ذكر لفظ خاصٍّ ، كالشيخ (٢) وأتباعه (٣) ، فتأمّل (٤).

وقد حكي عن الأكثر : تجويز البيع حالاّ بلفظ السلم (٥).

وصرّح جماعة أيضاً في بيع «التولية» : بانعقاده بقوله : «ولّيتك العقد» (٦) أو «ولّيتك السلعة» (٧) ، والتشريك في المبيع بلفظ : «شرّكتك» (٨).

وعن المسالك في مسألة تقبّل (٩) أحد الشريكين في النخل حصّة صاحبه بشي‌ءٍ معلومٍ من الثمرة ـ : أنّ ظاهر الأصحاب جواز ذلك بلفظ التقبيل (١٠) ، مع أنّه لا يخرج عن البيع أو الصلح أو معاملة ثالثة لازمة‌

__________________

(١) كذا في «ف» و «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي غيرهما : قد يدّعى.

(٢) انظر الخلاف ٣ : ٧ ، كتاب البيوع ، المسألة ٦.

(٣) انظر المراسم : ١٧١ ، المهذّب ١ : ٣٥٠ ، الوسيلة : ٢٣٦.

(٤) لم يرد «فتأمّل» إلاّ في «ف» و «ش» ونسخة بدل «ن».

(٥) حكاه الشهيد الثاني قدس‌سره في المسالك ٣ : ٤٠٥.

(٦) ممّن صرّح بذلك العلاّمة قدس‌سره في التذكرة ١ : ٥٤٥ ، والشهيد الأوّل في الدروس ٣ : ٢٢١ ، والشهيد الثاني في المسالك ٣ : ٣١٣ ، والروضة ٣ : ٤٣٦.

(٧) لم نقف على من صرّح بانعقاده بهذه الصيغة ، إلاّ أنّ الشهيدين قالا : ولو قال : ولّيتك السلعة ، احتمل الجواز ، انظر الدروس ٣ : ٢٢١ ، والمسالك ٣ : ٣١٤.

(٨) صرّح به الشهيدان في الدروس ٣ : ٢٢١ ، واللمعة وشرحها (الروضة البهيّة) ٣ : ٤٣٦ ٤٣٧.

(٩) في غير «ش» ومصحّحة «ن» : تقبيل.

(١٠) المسالك ٣ : ٣٧٠.

عند جماعة (١).

هذا ما حضرني من كلماتهم في البيع.

ظهور كلمات الفقهاء في وقوع غير البيع بكل لفظ يدل عليه أيضا

وأمّا في غيره ، فظاهر جماعة (٢) في القرض عدم اختصاصه بلفظٍ خاصّ ، فجوّزوه بقوله : «تصرّف فيه أو انتفع به وعليك ردّ عوضه» ، أو «خُذْه بمثله» ، و «أسلفتك» ، وغير ذلك ممّا عدّوا مثله في البيع من الكنايات ، مع أنّ القرض من العقود اللازمة على حسب لزوم البيع والإجارة.

وحكي عن جماعة (٣) في الرهن : أنّ إيجابه يؤدّي بكلّ لفظٍ يدلّ عليه ، مثل قوله : «هذه وثيقة عندك» ، وعن الدروس تجويزه بقوله : «خذه» ، أو «أمسكه بمالك» (٤).

وحكي عن غير واحد (٥) : تجويز إيجاب الضمان الذي هو من العقود اللازمة بلفظ «تعهّدت المال» و «تقلّدته» ، وشبه ذلك.

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في الروضة ٣ : ٣٦٨ ، ونسبه في المسالك ٣ : ٣٧٠ إلى ظاهر الأصحاب ، وفي مفتاح الكرامة (٤ : ٣٩١) نسبه إلى صريح جماعة.

(٢) منهم المحقّق في الشرائع ٢ : ٦٧ ، والعلاّمة في القواعد ١ : ١٥٦ ، والشهيدان في الدروس ٣ : ٣١٨ والمسالك ٣ : ٤٤٠.

(٣) منهم المحقّق في الشرائع ٢ : ٧٥ ، والعلاّمة في التحرير ١ : ٢٠١ ، والشهيدان في اللمعة وشرحها (الروضة البهية) ٤ : ٥٤ ، والمحقّق السبزواري في الكفاية : ١٠٧.

(٤) الدروس ٣ : ٣٨٣.

(٥) مثل العلاّمة في التذكرة ٢ : ٨٥ ، والفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ١٨٣ ، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٥ : ٣٥١ ، وأُنظر المناهل : ١١٢.