درس مکاسب - بیع

جلسه ۴۳: الفاظ عقد ۲

 

عند جماعة (١).

هذا ما حضرني من كلماتهم في البيع.

ظهور كلمات الفقهاء في وقوع غير البيع بكل لفظ يدل عليه أيضا

وأمّا في غيره ، فظاهر جماعة (٢) في القرض عدم اختصاصه بلفظٍ خاصّ ، فجوّزوه بقوله : «تصرّف فيه أو انتفع به وعليك ردّ عوضه» ، أو «خُذْه بمثله» ، و «أسلفتك» ، وغير ذلك ممّا عدّوا مثله في البيع من الكنايات ، مع أنّ القرض من العقود اللازمة على حسب لزوم البيع والإجارة.

وحكي عن جماعة (٣) في الرهن : أنّ إيجابه يؤدّي بكلّ لفظٍ يدلّ عليه ، مثل قوله : «هذه وثيقة عندك» ، وعن الدروس تجويزه بقوله : «خذه» ، أو «أمسكه بمالك» (٤).

وحكي عن غير واحد (٥) : تجويز إيجاب الضمان الذي هو من العقود اللازمة بلفظ «تعهّدت المال» و «تقلّدته» ، وشبه ذلك.

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في الروضة ٣ : ٣٦٨ ، ونسبه في المسالك ٣ : ٣٧٠ إلى ظاهر الأصحاب ، وفي مفتاح الكرامة (٤ : ٣٩١) نسبه إلى صريح جماعة.

(٢) منهم المحقّق في الشرائع ٢ : ٦٧ ، والعلاّمة في القواعد ١ : ١٥٦ ، والشهيدان في الدروس ٣ : ٣١٨ والمسالك ٣ : ٤٤٠.

(٣) منهم المحقّق في الشرائع ٢ : ٧٥ ، والعلاّمة في التحرير ١ : ٢٠١ ، والشهيدان في اللمعة وشرحها (الروضة البهية) ٤ : ٥٤ ، والمحقّق السبزواري في الكفاية : ١٠٧.

(٤) الدروس ٣ : ٣٨٣.

(٥) مثل العلاّمة في التذكرة ٢ : ٨٥ ، والفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ١٨٣ ، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٥ : ٣٥١ ، وأُنظر المناهل : ١١٢.

وقد (١) ذكر المحقّق (٢) وجماعة ممّن تأخّر عنه (٣) : جواز الإجارة بلفظ العارية ؛ معلّلين بتحقّق القصد. وتردّد جماعة (٤) في انعقاد الإجارة بلفظ بيع المنفعة.

وقد ذكر جماعة (٥) : جواز المزارعة بكلّ لفظٍ يدلّ على تسليم الأرض للمزارعة ، وعن مجمع البرهان (٦) كما في غيره (٧) ـ : أنّه لا خلاف في جوازها بكلّ لفظٍ يدلّ على المطلوب ، مع كونه ماضياً ، وعن المشهور : جوازها بلفظ «ازرع» (٨).

وقد جوّز جماعة (٩) : الوقف بلفظ : «حرّمت» و «تصدّقت» مع‌

__________________

(١) كذا في «ف» و «ش» ، وفي غيرهما : ولقد.

(٢) الشرائع ٢ : ١٧٩.

(٣) منهم المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة ١٠ : ٩ ، لكن قيّده بانضمام شي‌ء يدلّ على الإجارة ، وصاحب الروض على ما نقله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٧ : ٧٤ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٢٧ : ٢٠٥.

(٤) منهم المحقّق في الشرائع ٢ : ١٧٩ ، والشهيد في اللمعة الدمشقية : ١٦٢.

(٥) كالمحقّق في الشرائع ٢ : ١٤٩ ، والعلاّمة في التذكرة ٢ : ٣٣٧ ، والسيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٧ : ٢٩٩ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٢٧ : ٣.

(٦) مجمع الفائدة ١٠ : ٩٦.

(٧) مفتاح الكرامة ٧ : ٢٩٩.

(٨) الروضة البهية ٤ : ٢٧٦.

(٩) كالمحقّق في الشرائع ٢ : ٢١١ ، والعلاّمة في القواعد ١ : ٢٦٦ ، والشهيدين في اللمعة وشرحها (الروضة البهية) ٣ : ١٦٤ ، والمسالك ٥ : ٣١٠ ، وانظر مفتاح الكرامة ٩ : ٥.

القرينة الدالّة على إرادة الوقف ، مثل : «أن لا يباع ولا يورّث» ، مع عدم الخلاف كما عن غير واحد (١) على أنّهما من الكنايات.

وجوّز جماعة (٢) : وقوع النكاح الدائم بلفظ التمتّع مع أنّه ليس صريحاً فيه.

ومع هذه الكلمات ، كيف يجوز أن يسند (٣) إلى العلماء أو أكثرهم وجوب إيقاع العقد باللفظ الموضوع له ، وأنّه لا يجوز بالألفاظ المجازية؟! خصوصاً مع تعميمها للقريبة (٤) والبعيدة (٥) كما تقدّم عن بعض المحقّقين (٦).

جمع المحقّق الكركي بين كلمات الفقهاء

ولعلّه لما عرفت من تنافي ما اشتهر بينهم من عدم جواز التعبير بالألفاظ المجازيّة في العقود اللازمة ، مع ما عرفت منهم من الاكتفاء في أكثرها بالألفاظ الغير الموضوعة لذلك العقد ، جمع المحقّق الثاني على ما حكي عنه في باب السلَم والنكاح بين كلماتهم بحمل المجازات‌

__________________

(١) منهم الشهيد الثاني في المسالك ٥ : ٣١٠ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ٢ : ١٧ ، وصاحب الجواهر في الجواهر ٢٨ : ٣.

(٢) منهم المحقّق في المختصر : ١٦٩ ، والشرائع ٢ : ٢٧٣ ، وفيه بعد التردّد : وجوازه أرجح ، والعلاّمة في القواعد ٢ : ٤ ، والإرشاد ٢ : ٦ ، والشهيد في اللمعة : ١٨٤.

(٣) في غير «ص» و «ش» : «يستند» ، وصُحّح في «ن» بما في المتن.

(٤) في «خ» ، «م» و «ع» : للقرينة.

(٥) لم ترد «والبعيدة» في «خ» ، «م» ، «ع» و «ص».

(٦) تقدّمت حكايته عن العلاّمة بحر العلوم في الصفحة ١٢٠.

الأحسن في وجه الجمع

الممنوعة على المجازات البعيدة (١) ، وهو جمع حسن ، ولعلّ الأحسن منه (٢) : أن يراد باعتبار الحقائق في العقود اعتبار الدلالة اللفظية الوضعية ، سواء كان اللفظ الدالّ على إنشاء العقد موضوعاً له بنفسه أو مستعملاً فيه مجازاً بقرينة لفظ موضوع آخر ، ليرجع الإفادة بالأخرة إلى الوضع ؛ إذ لا يعقل الفرق في الوضوح الذي هو مناط الصراحة بين إفادة لفظٍ للمطلب بحكم الوضع ، أو إفادته له بضميمة لفظٍ آخر يدلّ بالوضع على إرادة المطلب من ذلك اللفظ.

وهذا بخلاف اللفظ الذي يكون دلالته على المطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد ؛ فإنّ الاعتماد عليه في متفاهم (٣) المتعاقدين وإن كان من المجازات القريبة جدّاً رجوع عمّا بني عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد ؛ ولذا لم يجوّزوا العقد بالمعاطاة ولو مع سبق مقالٍ أو اقتران حالٍ تدلّ (٤) على إرادة البيع جزماً.

الإشكال في الاعتماد على القرائن الحاليّة

وممّا ذكرنا يظهر الإشكال في الاقتصار على المشترك اللفظي اتّكالاً على القرينة الحاليّة المعيّنة ، وكذا المشترك المعنوي.

__________________

(١) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٤٩ ، وانظر جامع المقاصد ٤ : ٢٠٧ ٢٠٨ و ١٢ : ٧٠.

(٢) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وكذا في «ش» لكن بدون «لعلّ» ، وفي سائر النسخ : ولعلّ الأولى أن يراد.

(٣) في «ف» : تفاهم.

(٤) في «ص» : يدلّ.

رجوع استدلال التذكرة إلى ما ذكرناه

ويمكن أن ينطبق على ما ذكرنا الاستدلال المتقدّم في عبارة التذكرة بقوله قدس‌سره : «لأنّ المخاطب لا يدري بِمَ خوطب» (١) ؛ إذ ليس المراد : أنّ المخاطب لا يفهم منها المطلب ولو بالقرائن الخارجية ، بل المراد أنّ الخطاب بالكناية لمّا لم يدلّ على المعنى المنشأ ما لم يقصد الملزوم ؛ لأنّ اللازم الأعمّ ، كما هو الغالب بل المطّرد في الكنايات ، لا يدلّ على الملزوم ما لم يقصد المتكلّم خصوص الفرد المجامع (٢) مع الملزوم الخاص فالخطاب في نفسه محتمل ، لا يدري المخاطب بِمَ خوطب ، وإنّما يفهم المراد بالقرائن الخارجية الكاشفة عن قصد المتكلّم.

والمفروض على ما تقرّر في مسألة المعاطاة (٣) أنّ النيّة بنفسها أو مع انكشافها بغير الأقوال لا تؤثّر في النقل والانتقال ، فلم يحصل هنا عقدٌ لفظيٌّ يقع التفاهم به ، لكن هذا الوجه (٤) لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية.

دعوى أن العقود أسباب شرعية توقيفية

ثمّ إنّه ربما يدّعى : أنّ العقود المؤثّرة في النقل والانتقال أسباب شرعيّة توقيفيّة ، كما حكي عن الإيضاح من أنّ كلّ عقدٍ لازم وضع له الشارع صيغة مخصوصة بالاستقراء (٥) ، فلا بدّ من الاقتصار على المتيقّن.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ١١٩.

(٢) في «خ» ، «م» و «ش» : الجامع.

(٣) تقدّم في الوجه الأوّل من الوجوه الأربعة في معنى قوله عليه‌السلام : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» في الصفحة ٦١.

(٤) شطب في «ف» على «الوجه» وكتب فوقه : التوجيه.

(٥) إيضاح الفوائد ٣ : ١٢.