درس مکاسب - بیع

جلسه ۴۴: الفاظ عقد ۳

 

رجوع استدلال التذكرة إلى ما ذكرناه

ويمكن أن ينطبق على ما ذكرنا الاستدلال المتقدّم في عبارة التذكرة بقوله قدس‌سره : «لأنّ المخاطب لا يدري بِمَ خوطب» (١) ؛ إذ ليس المراد : أنّ المخاطب لا يفهم منها المطلب ولو بالقرائن الخارجية ، بل المراد أنّ الخطاب بالكناية لمّا لم يدلّ على المعنى المنشأ ما لم يقصد الملزوم ؛ لأنّ اللازم الأعمّ ، كما هو الغالب بل المطّرد في الكنايات ، لا يدلّ على الملزوم ما لم يقصد المتكلّم خصوص الفرد المجامع (٢) مع الملزوم الخاص فالخطاب في نفسه محتمل ، لا يدري المخاطب بِمَ خوطب ، وإنّما يفهم المراد بالقرائن الخارجية الكاشفة عن قصد المتكلّم.

والمفروض على ما تقرّر في مسألة المعاطاة (٣) أنّ النيّة بنفسها أو مع انكشافها بغير الأقوال لا تؤثّر في النقل والانتقال ، فلم يحصل هنا عقدٌ لفظيٌّ يقع التفاهم به ، لكن هذا الوجه (٤) لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية.

دعوى أن العقود أسباب شرعية توقيفية

ثمّ إنّه ربما يدّعى : أنّ العقود المؤثّرة في النقل والانتقال أسباب شرعيّة توقيفيّة ، كما حكي عن الإيضاح من أنّ كلّ عقدٍ لازم وضع له الشارع صيغة مخصوصة بالاستقراء (٥) ، فلا بدّ من الاقتصار على المتيقّن.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ١١٩.

(٢) في «خ» ، «م» و «ش» : الجامع.

(٣) تقدّم في الوجه الأوّل من الوجوه الأربعة في معنى قوله عليه‌السلام : «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» في الصفحة ٦١.

(٤) شطب في «ف» على «الوجه» وكتب فوقه : التوجيه.

(٥) إيضاح الفوائد ٣ : ١٢.

وهو كلام لا محصّل له عند مَن لاحظ فتاوى العلماء ، فضلاً عن الروايات المتكثّرة الآتية (١) بعضها.

تفسير كلام الفخر : «أنّ لكلّ عقد لازم صيغة تخصّه شرعاً»

وأمّا ما ذكره الفخر قدس‌سره ، فلعلّ المراد فيه من الخصوصيّة المأخوذة في الصيغة شرعاً ، هي : اشتمالها على العنوان المعبّر عن تلك المعاملة به في كلام الشارع ، فإذا كانت (٢) العلاقة الحادثة بين الرجل والمرأة معبّراً عنها في كلام الشارع بالنكاح ، أو الزوجيّة ، أو المتعة ، فلا بدّ من اشتمال عقدها على هذه العناوين ، فلا يجوز بلفظ الهبة أو البيع أو الإجارة أو نحو ذلك ، وهكذا الكلام في العقود المنشأة للمقاصد الأُخر كالبيع والإجارة ونحوهما.

فخصوصيّة اللفظ من حيث اعتبار اشتمالها على هذه العنوانات الدائرة في لسان الشارع ، أو ما يرادفها (٣) لغةً أو عرفاً ؛ لأنّها بهذه العنوانات موارد للأحكام (٤) الشرعية التي لا تحصى.

وجوب إيقاع العقد بالعناوين الدائرة في لسان الشارع

وعلى هذا ، فالضابط : وجوب إيقاع العقد بإنشاء العناوين الدائرة في لسان الشارع ؛ إذ لو وقع بإنشاء غيرها ، فإن كان (٥) لا مع قصد تلك العناوين كما لو لم تقصد المرأة إلاّ هبة نفسها أو إجارة نفسها مدّة للاستمتاع (٦) لم يترتّب عليه الآثار المحمولة في الشريعة على الزوجيّة‌

__________________

(١) في «ص» ومصحّحة «خ» : الآتي.

(٢) في غير «ش» : كان.

(٣) في «ف» : أو بما يرادفها.

(٤) كذا في «ف» و «ش» ، وفي غيرهما : الأحكام.

(٥) كذا في «ن» ، وفي غيرها كانت.

(٦) كذا في «ف» ، وفي غيرها : مدّة الاستمتاع.

الدائمة أو المنقطعة ، وإن كان (١) بقصد هذه العناوين دخلت في الكناية التي عرفت أنّ تجويزها رجوع إلى عدم اعتبار إفادة المقاصد بالأقوال.

فما ذكره الفخر قدس‌سره (٢) مؤيّد لِما ذكرناه واستفدناه من كلام والده قدس‌سره (٣).

إشارة بعض الفقهاء إلى ما ذكره الفخر

وإليه يشير أيضاً ما عن جامع المقاصد : من أنّ العقود متلقّاة من الشارع ، فلا ينعقد عقدٌ بلفظٍ آخر ليس من جنسه (٤).

وما عن المسالك : من أنّه يجب الاقتصار في العقود اللازمة على الألفاظ المنقولة شرعاً المعهودة لغةً (٥) ، ومراده من «المنقولة (٦) شرعاً» ، هي : المأثورة في كلام الشارع.

وعن كنز العرفان في باب النكاح ـ : أنّه حكمٌ شرعيٌّ حادث فلا بدّ له من دليلٍ يدلّ على حصوله ، وهو العقد اللفظيّ المتلقّى من النصّ. ثمّ ذكر لإيجاب النكاح ألفاظاً (٧) ثلاثة ، وعلّلها بورودها في القرآن (٨).

__________________

(١) كذا في مصحّحة «ن» ، وفي النسخ : كانت.

(٢) وهو قوله : «كلّ عقد لازم وضع له الشارع صيغة مخصوصة» المتقدّم في الصفحة ١٢٧.

(٣) يعني كلامه في التذكرة : «لأنّ المخاطب لا يدري بِمَ خوطب» المتقدّم في الصفحة ١٢٧.

(٤) جامع المقاصد ٧ : ٨٣.

(٥) المسالك ٥ : ١٧٢.

(٦) في غير «ف» : بالمنقولة.

(٧) كذا في «ش» ، وفي «ص» : «ثلاثة ألفاظ» ، وفي سائر النسخ : ألفاظ ثلاثة.

(٨) كنز العرفان ٢ : ١٤٦.

ولا يخفى أنّ تعليله هذا كالصريح فيما ذكرناه (١) : من تفسير (٢) توقيفيّة العقود ، وأنّها متلقّاة من الشارع ، ووجوب الاقتصار على المتيقّن.

ومن هذا الضابط تقدر على تمييز (٣) الصريح المنقول شرعاً المعهود لغةً من الألفاظ المتقدّمة في أبواب العقود المذكورة من غيره. وأنّ الإجارة بلفظ العارية غير جائزة ، وبلفظ بيع المنفعة أو السكنى مثلاً لا يبعد جوازه ، وهكذا.

ألفاظ الإيجاب

إذا عرفت هذا ، فلنذكر ألفاظ الإيجاب والقبول :

الإيجاب بلفظ «بعت»

منها : لفظ «بعت» في الإيجاب ، ولا خلاف فيه فتوًى ونصّاً ، وهو وإن كان من الأضداد بالنسبة إلى البيع والشراء ، لكن كثرة استعماله في وقوع البيع تعيّنه (٤).

الإيجاب بلفظ «شريت»

ومنها (٥) : لفظ «شريت» (٦) ‌لوضعه له ، كما يظهر من المحكي عن بعض أهل اللغة (٧) ، بل قيل : لم يستعمل في القرآن الكريم إلاّ في البيع (٨).

__________________

(١) انظر الصفحة ١٢٧ ١٢٩.

(٢) لم ترد «تفسير» في «خ» ، «م» ، «ع» و «ص».

(٣) في «ف» ، «خ» ، «م» و «ع» : تميّز.

(٤) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وكذا في «ش» مع زيادة «به» بعد «البيع» ؛ وفي سائر النسخ : لكن كثرة استعماله في البيع وصلت إلى حدّ تغنيها عن القرينة.

(٥) كذا في «ف» و «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : وأمّا.

(٦) في غير «ف» و «ش» زيادة : فلا إشكال في وقوع البيع به.

(٧) انظر الصحاح ٦ : ٢٣٩١ ، ولسان العرب ٧ : ١٠٣ ، والقاموس المحيط ٤ : ٣٤٧.

(٨) قاله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٣.