درس مکاسب - بیع

جلسه ۴۵: الفاظ عقد ۴

 

ولا يخفى أنّ تعليله هذا كالصريح فيما ذكرناه (١) : من تفسير (٢) توقيفيّة العقود ، وأنّها متلقّاة من الشارع ، ووجوب الاقتصار على المتيقّن.

ومن هذا الضابط تقدر على تمييز (٣) الصريح المنقول شرعاً المعهود لغةً من الألفاظ المتقدّمة في أبواب العقود المذكورة من غيره. وأنّ الإجارة بلفظ العارية غير جائزة ، وبلفظ بيع المنفعة أو السكنى مثلاً لا يبعد جوازه ، وهكذا.

ألفاظ الإيجاب

إذا عرفت هذا ، فلنذكر ألفاظ الإيجاب والقبول :

الإيجاب بلفظ «بعت»

منها : لفظ «بعت» في الإيجاب ، ولا خلاف فيه فتوًى ونصّاً ، وهو وإن كان من الأضداد بالنسبة إلى البيع والشراء ، لكن كثرة استعماله في وقوع البيع تعيّنه (٤).

الإيجاب بلفظ «شريت»

ومنها (٥) : لفظ «شريت» (٦) ‌لوضعه له ، كما يظهر من المحكي عن بعض أهل اللغة (٧) ، بل قيل : لم يستعمل في القرآن الكريم إلاّ في البيع (٨).

__________________

(١) انظر الصفحة ١٢٧ ١٢٩.

(٢) لم ترد «تفسير» في «خ» ، «م» ، «ع» و «ص».

(٣) في «ف» ، «خ» ، «م» و «ع» : تميّز.

(٤) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وكذا في «ش» مع زيادة «به» بعد «البيع» ؛ وفي سائر النسخ : لكن كثرة استعماله في البيع وصلت إلى حدّ تغنيها عن القرينة.

(٥) كذا في «ف» و «ش» ومصحّحة «ن» ، وفي سائر النسخ : وأمّا.

(٦) في غير «ف» و «ش» زيادة : فلا إشكال في وقوع البيع به.

(٧) انظر الصحاح ٦ : ٢٣٩١ ، ولسان العرب ٧ : ١٠٣ ، والقاموس المحيط ٤ : ٣٤٧.

(٨) قاله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٣.

وعن القاموس : شراه يشريه : ملكه (١) بالبيع وباعه ، كاشترى (٢) فيهما (٣) ضدّ. وعنه أيضاً : كلّ من ترك شيئاً وتمسّك بغيره فقد اشتراه (٤).

وربما يستشكل فيه : بقلّة استعماله عرفاً في البيع ، وكونه محتاجاً إلى القرينة المعيِّنة ، وعدم نقل الإيجاب به في الأخبار وكلام القدماء.

ولا يخلو عن وجه.

الإيجاب بلفظ «ملّكت»

ومنها : لفظ «ملّكت» بالتشديد‌ والأكثر على وقوع البيع به ، بل ظاهر نكت الإرشاد الاتّفاق ؛ حيث قال : إنّه لا يقع البيع بغير اللفظ المتّفق عليه ك‍ «بعت» و «ملّكت» (٥).

الاستدلال على وقوع البيع بلفظ «ملّكت»

ويدلّ عليه (٦) : ما سبق في تعريف البيع ، من أنّ التمليك بالعوض المنحلّ إلى مبادلة العين بالمال هو المرادف للبيع عرفاً ولغةً ، كما صرّح به فخر الدين ، حيث قال : إنّ معنى «بعت» في لغة العرب : ملّكت غيري (٧).

وما قيل (٨) : من أنّ التمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر عند الإطلاق غيرها. فيه : أنّ الهبة إنّما يفهم من تجريد اللفظ عن العوض ،

__________________

(١) في «ف» : إذا ملكه.

(٢) كذا في «ن» والمصدر ، وفي «ش» : «كاشتراه» ، وفي سائر النسخ : واشتراه.

(٣) كذا في «ن» والمصدر ، وفي سائر النسخ : فهما.

(٤) القاموس المحيط ٤ : ٣٤٧ ٣٤٨ ، مادّة : «شرى».

(٥) غاية المراد : ٨٠.

(٦) في «ف» : عليها.

(٧) قاله في شرح الإرشاد ، على ما حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٢.

(٨) قاله الشهيد الثاني في الروضة البهية ٣ : ٤١٣.

لا من مادّة التمليك ، فهي مشتركة معنىً بين ما يتضمّن المقابلة وبين المجرّد عنها ، فإن اتّصل بالكلام ذِكر العوض أفاد المجموع المركّب بمقتضى الوضع التركيبي البيع ، وإن تجرّد عن ذكر العوض اقتضى تجريده الملكيّة المجانيّة.

وقد عرفت سابقاً : أنّ تعريف البيع بذلك تعريف بمفهومه الحقيقي ، فلو أراد منه الهبة المعوّضة أو قصد المصالحة ، بنى صحّة العقد به على صحّة عقد بلفظ غيره مع النيّة.

ويشهد لما ذكرنا قول فخر الدين في شرح الإرشاد : إنّ معنى «بعت» في لغة العرب ملّكت غيري (١).

الإيجاب بـ «اشتريت»

وأمّا الإيجاب ب «اشتريت» ، ففي مفتاح الكرامة : أنّه قد يقال بصحّته ، كما هو الموجود في بعض نسخ التذكرة ، والمنقول عنها في نسختين من تعليق الإرشاد (٢).

أقول : وقد يستظهر ذلك (٣) من عبارة كلِّ من عطف على «بعت» و «ملّكت» ، شبههما أو ما يقوم مقامهما (٤) ؛ إذ إرادة خصوص لفظ «شريت» من هذا بعيد جدّاً ، وحمله على إرادة ما يقوم مقامهما في اللّغات الأُخر للعاجز عن العربية أبعد ، فيتعيّن (٥) إرادة ما يرادفهما لغةً‌

__________________

(١) تقدّم آنفاً.

(٢) مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٠.

(٣) لم ترد «ذلك» في «ف».

(٤) مثل العلاّمة في التحرير ١ : ١٦٤ ، والشهيد في غاية المراد : ٨٠.

(٥) في «ف» : فتعيّن.

أو عرفاً ، فيشمل «شريت» و «اشتريت» ، لكنّ الإشكال المتقدّم (١) في «شريت» أولى بالجريان هنا ؛ لأنّ «شريت» استعمل في القرآن الكريم في البيع ، بل لم يستعمل فيه إلاّ فيه ، بخلاف «اشتريت».

ودفع (٢) الإشكال في تعيين المراد منه بقرينة تقديمه الدالّ على كونه إيجاباً إمّا بناءً على لزوم تقديم الإيجاب على القبول ، وإمّا لغلبة ذلك غير صحيح ؛ لأنّ الاعتماد على القرينة الغير اللفظية في تعيين المراد من ألفاظ العقود قد عرفت ما فيه (٣) ، إلاّ أن يدّعى أنّ ما ذكر سابقاً من اعتبار الصراحة مختصّ بصراحة اللفظ من حيث دلالته على خصوص العقد ، وتميّزه عمّا عداه من العقود.

وأمّا تميّز إيجاب عقد معيّن عن قبوله الراجع إلى تميّز البائع عن المشتري فلا يعتبر فيه الصراحة ، بل يكفي استفادة المراد ، ولو بقرينة المقام أو غلبته (٤) أو نحوهما (٥) ، وفيه إشكال.

ألفاظ القبول

وأمّا القبول ، فلا ينبغي الإشكال في وقوعه بلفظ «قبلت» و «رضيت» و «اشتريت» و «شريت» و «ابتعت» و «تملّكت» و «ملكت» مخفّفاً.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة المتقدّمة بقوله : وربما يستشكل فيه بقلّة استعماله عرفاً في البيع.

(٢) كلمة «دفع» من «ش» ومصحّحة «ن».

(٣) أشار بذلك إلى ما ذكره في الصفحة ١٢٦ من قوله : فإنّ الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين رجوع عمّا بنى عليه ..

(٤) في «ف» : بغلبته.

(٥) في «ف» ، «ن» و «ش» : ونحوها.