درس مکاسب - بیع

جلسه ۳: حقیقت بیع ۳

 

تعاريف الفقهاء والمناقشة فيها

ثمّ الظاهر : أنّ لفظ «البيع» ليس له حقيقة شرعية ولا متشرّعية (١) ، بل هو باقٍ على معناه العرفي ، كما سنوضّحه إن شاء الله ، إلاّ أنّ الفقهاء قد اختلفوا في تعريفه ، ففي المبسوط (٢) والسرائر (٣) والتذكرة (٤) وغيرها (٥) : «انتقال عينٍ من شخصٍ إلى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي».

وحيث إنّ في هذا التعريف مسامحة واضحة ، عدل آخرون (٦) إلى تعريفه ب : «الإيجاب والقبول الدالّين على الانتقال» ، وحيث إنّ البيع من مقولة المعنى دون اللفظ مجرّداً أو بشرط قصد المعنى ، وإلاّ لم يعقل إنشاؤه باللفظ عدل جامع المقاصد إلى تعريفه ب : «نقل العين بالصيغة المخصوصة» (٧).

ويرد عليه ـ مع أنّ النقل ليس مرادفاً للبيع ؛ ولذا صرّح في التذكرة : بأنّ إيجاب البيع لا يقع بلفظ «نقلت» ، وجعله من الكنايات (٨) ،

__________________

(١) في «ف» : متشرّعة.

(٢) المبسوط ٢ : ٧٦.

(٣) لم ترد «السرائر» في غير «ف» ، انظر السرائر ٢ : ٢٤٠.

(٤) التذكرة ١ : ٤٦٢.

(٥) في «ن» ، «ع» ، «ص» و «ش» : غيرهما ، انظر القواعد ١ : ١٢٣ ، والتحرير ١ : ١٦٤.

(٦) منهم : المحقّق في المختصر النافع : ١١٨ ، والشهيد في الدروس ٣ : ١٩١ ، والفاضل المقداد في التنقيح ٢ : ٢٤.

(٧) جامع المقاصد ٤ : ٥٥.

(٨) لم نعثر عليه بعينه ، نعم فيه بعد ذكر شرط التصريح ـ : «عدم انعقاده بمثل : أدخلته في ملكك أو جعلته لك» ، انظر التذكرة ١ : ٤٦٢.

وأنّ المعاطاة عنده (١) بيع مع خلوّها عن الصيغة ـ : أنّ النقل بالصيغة أيضاً لا يعقل إنشاؤه بالصيغة.

ولا يندفع هذا : بأنّ المراد أنّ البيع نفس النقل الذي هو مدلول الصيغة ، فجعله مدلول الصيغة إشارة إلى تعيين ذلك الفرد من النقل ، لا أنّه (٢) مأخوذ في مفهومه حتى يكون مدلول «بعت» : نقلت بالصيغة ؛ لأنّه إن أُريد بالصيغة خصوص «بعت» لزم الدور ؛ لأنّ المقصود معرفة مادة «بعت» ، وإن أُريد بها ما يشمل (٣) «ملّكت» وجب الاقتصار على مجرّد التمليك والنقل.

الأولى في تعريف البيع

فالأولى تعريفه بأنّه : «إنشاء تمليك عين بمال» ، ولا يلزم عليه شي‌ء ممّا تقدّم.

ماذا يرد على هذا التعريف

نعم ، يبقى عليه أُمور :

الإيراد الأوّل وجوابه

منها : أنّه موقوف على جواز الإيجاب بلفظ «ملّكت» ‌وإلاّ لم يكن مرادفاً له (٤).

ويردّه : أنّه الحقّ كما سيجي‌ء (٥).

الإيراد الثاني وجوابه

ومنها : أنّه لا يشمل بيع الدين على من هو عليه ؛ لأنّ الإنسان لا يملك مالاً على نفسه.

__________________

(١) أي عند المحقّق الثاني ، راجع جامع المقاصد ٤ : ٥٨.

(٢) في «ف» : لا لأنّه.

(٣) في «ف» : يشتمل.

(٤) في غير «ش» ومصحّحة «ن» : لها.

(٥) يجي‌ء في الصفحة ١٥ و ١٢٠.

وفيه ـ مع ما عرفت (١) وستعرف من تعقّل تملّك ما على نفسه (٢) ورجوعه إلى سقوطه عنه ، نظير تملّك ما هو مساوٍ لما في ذمّته ، وسقوطه بالتهاتر ـ : أنّه لو لم يعقل التمليك لم يعقل البيع ؛ إذ ليس للبيع ـ لغةً وعرفاً ـ معنى غير المبادلة والنقل والتمليك وما يساويها من الألفاظ ؛ ولذا قال فخر الدين : إنّ معنى «بعت» في لغة العرب : «ملّكت غيري» (٣) ، فإذا لم يعقل ملكيّة (٤) ما في ذمّة نفسه لم يعقل شي‌ء ممّا يساويها ، فلا يعقل البيع.

الايراد الثالث وجوابه

ومنها : أنّه يشمل التمليك بالمعاطاة ، مع حكم المشهور ، بل دعوى الإجماع على أنّها ليست بيعاً (٥).

وفيه : ما سيجي‌ء من كون المعاطاة بيعاً (٦) ؛ وأنّ (٧) مراد النافين نفي صحّته.

الايراد الرابع وجوابه

ومنها : صدقه على الشراء ؛ فإنّ المشتري بقبوله للبيع يملّك ماله بعوض المبيع.

__________________

(١) راجع الصفحة ٩ ، قوله : «والحاصل : أنّه يعقل ..».

(٢) في «ف» : «ما في ذمّة نفسه». وفي مصحّحة «ن» ونسخة بدل «ش» : ما في ذمّته.

(٣) قاله في شرح الإرشاد ، على ما حكاه عنه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ١٥٢.

(٤) في «ف» : ملكيّته.

(٥) كما ادّعاه ابن زهرة في الغنية : ٢١٤.

(٦) يأتي في الصفحة ٤٠.

(٧) في «ش» : لأنّ.

وفيه : أنّ التمليك فيه ضمنيّ ، وإنّما حقيقته التملّك بعوض ؛ ولذا لا يجوز الشراء بلفظ «ملّكت» ، تقدّم على الإيجاب أو تأخّر. وبه يظهر اندفاع الإيراد بانتقاضه بمستأجر العين بعين (١) ؛ حيث إنّ الاستئجار يتضمّن تمليك العين بمالٍ ، أعني : المنفعة.

الايراد الخامس وجوابه

ومنها : انتقاض طرده بالصلح على العين بمالٍ ، وبالهبة المعوّضة.

وفيه : أنّ حقيقة الصلح ـ ولو تعلّق بالعين ـ ليس هو التمليك على وجه المقابلة والمعاوضة ، بل معناه الأصلي هو التسالم ؛ ولذا لا يتعدّى بنفسه إلى المال. نعم ، هو متضمّن للتمليك إذا تعلّق بعينٍ ، لا أنّه نفسه.

حقيقة الصلح

والذي يدلّك على هذا : أنّ الصلح قد يتعلّق بالمال عيناً أو منفعة ، فيفيد التمليك. وقد يتعلّق بالانتفاع به (٢) ، فيفيد فائدة العارية ، وهو مجرّد التسليط (٣) ، وقد يتعلّق بالحقوق ، فيفيد الإسقاط أو الانتقال ، وقد يتعلّق بتقرير أمرٍ بين المتصالحين كما في قول أحد الشريكين لصاحبه : «صالحتك على أن يكون الربح لك والخسران عليك» فيفيد مجرّد التقرير.

فلو كانت (٤) حقيقة الصلح هي عين كلٍّ من (٥) هذه المفاداة الخمسة لزم كونه مشتركاً لفظيّاً ، وهو واضح البطلان ، فلم يبقَ إلاّ أن يكون مفهومه معنىً آخر ، وهو التسالم ، فيفيد في كلِّ موضع (٦) فائدة من‌

__________________

(١) لم ترد «بعين» في «ف».

(٢) لم ترد «به» في غير «ف».

(٣) في «ف» : التسلّط.

(٤) في غير «ش» : كان.

(٥) لم ترد «كلٍّ من» في «ف».

(٦) في هامش «ف» زيادة : من المواضع.