درس مکاسب - بیع

جلسه ۵: حقیقت بیع ۵

 

فقد تحقّق ممّا ذكرنا : أنّ حقيقة تمليك العين بالعوض ليست إلاّ البيع ، فلو قال : «ملّكتك كذا بكذا» كان بيعاً ، ولا يصحّ صلحاً ولا هبة معوّضة وإن قصدهما ؛ إذ التمليك على جهة المقابلة الحقيقيّة ليس صلحاً ، ولا هبة ، فلا يقعان به.

نعم ، لو قلنا بوقوعهما بغير الألفاظ الصريحة توجّه تحقّقهما مع قصدهما ، فما قيل من أنّ البيع هو الأصل في تمليك الأعيان بالعوض ، فيقدّم على الصلح والهبة المعوّضة (١) ، محلّ تأمّل ، بل منع ؛ لما عرفت من أنّ تمليك الأعيان بالعوض هو البيع لا غير.

نعم ، لو اتي بلفظ «التمليك بالعوض» واحتمل إرادة غير حقيقته كان [مقتضى (٢)] الأصل اللفظي حمله على المعنى

الحقيقي ، فيحكم بالبيع ، لكنّ الظاهر أنّ الأصل بهذا المعنى ليس مراد القائل المتقدّم ، وسيجي‌ء توضيحه في مسألة المعاطاة في غير البيع إن شاء الله (٣).

الإيراد الأخير وجوابه

حقيقة القرض

بقي (٤) القرض داخلاً في ظاهر الحدّ ، ويمكن إخراجه بأنّ مفهومه ليس نفس المعاوضة ، بل هو تمليك على وجه ضمان المثل (٥) أو القيمة ، لا معاوضة للعين بهما ؛ ولذا لا يجري فيه ربا المعاوضة (٦) ، ولا الغرر‌

__________________

(١) انظر الجواهر ٢٢ : ٢٤٦.

(٢) لم ترد «مقتضى» في النسخ ، إلاّ أنّها زيدت في «ن» ، «ص» و «ش» تصحيحاً أو استظهاراً.

(٣) يجي‌ء في الصفحة ٩١ عند قوله : الخامس في حكم جريان المعاطاة ..

(٤) في «ف» و «ن» : وبقي.

(٥) في «ف» : الضمان للمثل.

(٦) في «ف» : المعاوضات.

المنفي فيها ، ولا ذكر العوض ، ولا العلم به ، فتأمّل (١).

استعمال البيع في معانٍ اُخر

ثمّ إنّ ما ذكرنا ، تعريفٌ للبيع المأخوذ في صيغة «بعت» وغيره (٢) من المشتقّات ، ويظهر من بعض من قارب عصرنا (٣) استعماله في معانٍ أُخر غير ما ذكر‌ (٤) :

أحدها : التمليك المذكور ، لكن (٥) بشرط تعقّبه بتملّك المشتري ، وإليه نظر بعض مشايخنا (٦) ، حيث أخذ قيد التعقّب (٧) بالقبول (٨) في تعريف البيع المصطلح ؛ ولعلّه لتبادر التمليك المقرون بالقبول من اللفظ ، بل وصحّة السلب عن المجرّد ؛ ولهذا لا يقال : «باع فلان ماله» ، إلاّ بعد أن يكون قد اشتراه غيره ، ويستفاد من قول القائل : «بعت مالي» ، أنّه اشتراه غيره ، لا أنّه أوجب (٩) البيع فقط.

__________________

(١) عبارة «بقي القرض إلى فتأمّل» لم ترد في «خ» ، وكتب عليها في غير «ف» و «ش» : «زائد» ، وقد تقدّم (في الصفحة ١٤ ، الهامش ٨) زيادة عبارةٍ عن بعض النسخ ترتبط بإخراج القرض ، والظاهر أنّ المؤلف قدس‌سره كتب أوّلاً تلك العبارة ثمّ أعرض عنها وبيّنها هنا بلفظٍ أوفى ، فصار ذلك منشأً لاختلاف النسخ.

(٢) في «ف» : غيرها.

(٣) انظر مقابس الأنوار : ١٠٧ (كتاب البيع) ، و ٢٧٥ (كتاب النكاح).

(٤) عبارة «غير ما ذكر» من «ف» و «ش» ومصحّحة «ن».

(٥) في «ف» : لكنّه.

(٦) لم نعثر عليه ، ولعلّه المحقّق النراقي ، انظر المستند ٢ : ٣٦٠.

(٧) في «ف» : التعقيب.

(٨) في غير «ش» زيادة : «مأخوذاً» ، وشطب عليها في «ن».

(٩) في «ف» : وجب.

الثاني : الأثر الحاصل من الإيجاب والقبول ، وهو الانتقال ، كما يظهر من المبسوط (١) وغيره (٢).

الثالث : نفس العقد المركّب من الإيجاب والقبول ، وإليه ينظر من عرّف البيع بالعقد (٣). قال (٤) : بل الظاهر اتّفاقهم على إرادة هذا المعنى في عناوين أبواب المعاملات ، حتى الإجارة وشبهها التي ليست هي في الأصل (٥) اسماً لأحد طرفي العقد (٦).

المناقشة في هذه الاستعمالات

أقول : أمّا البيع بمعنى الإيجاب المتعقّب للقبول ، فالظاهر أنّه ليس مقابلاً للأوّل ، وإنّما هو فردٌ انصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة على إرادة الإيجاب المثمر ؛ إذ لا ثمرة في الإيجاب المجرّد ، فقول المخبر : «بعت» ، إنّما أراد الإيجاب المقيّد ، فالقيد مستفاد من الخارج ، لا أنّ البيع مستعمل في الإيجاب المتعقّب للقبول ، وكذلك لفظ «النقل» و «الإبدال» و «التمليك» وشبهها ، مع أنّه لم يقل (٧) أحد بأنّ تعقّب القبول له دخل في معناها.

نعم ، تحقّق القبول شرط للانتقال في الخارج ، لا في نظر الناقل ؛ إذ‌

__________________

(١) المبسوط ٢ : ٧٦.

(٢) السرائر ٢ : ٢٤٠.

(٣) مثل الحلبي في الكافي : ٣٥٢ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٣٦ ، واختاره العلاّمة في المختلف ٥ : ٥١.

(٤) أي بعض من قارب عصر المؤلّف قدس‌سره ، المشار إليه آنفاً.

(٥) لم ترد «هي في الأصل» في «ف».

(٦) انظر مقابس الأنوار : ١٠٧ و ٢٧٥.

(٧) في «ف» : لم ينقل.