درس مکاسب - بیع

جلسه ۶: حقیقت بیع ۶

 

الثاني : الأثر الحاصل من الإيجاب والقبول ، وهو الانتقال ، كما يظهر من المبسوط (١) وغيره (٢).

الثالث : نفس العقد المركّب من الإيجاب والقبول ، وإليه ينظر من عرّف البيع بالعقد (٣). قال (٤) : بل الظاهر اتّفاقهم على إرادة هذا المعنى في عناوين أبواب المعاملات ، حتى الإجارة وشبهها التي ليست هي في الأصل (٥) اسماً لأحد طرفي العقد (٦).

المناقشة في هذه الاستعمالات

أقول : أمّا البيع بمعنى الإيجاب المتعقّب للقبول ، فالظاهر أنّه ليس مقابلاً للأوّل ، وإنّما هو فردٌ انصرف إليه اللفظ في مقام قيام القرينة على إرادة الإيجاب المثمر ؛ إذ لا ثمرة في الإيجاب المجرّد ، فقول المخبر : «بعت» ، إنّما أراد الإيجاب المقيّد ، فالقيد مستفاد من الخارج ، لا أنّ البيع مستعمل في الإيجاب المتعقّب للقبول ، وكذلك لفظ «النقل» و «الإبدال» و «التمليك» وشبهها ، مع أنّه لم يقل (٧) أحد بأنّ تعقّب القبول له دخل في معناها.

نعم ، تحقّق القبول شرط للانتقال في الخارج ، لا في نظر الناقل ؛ إذ‌

__________________

(١) المبسوط ٢ : ٧٦.

(٢) السرائر ٢ : ٢٤٠.

(٣) مثل الحلبي في الكافي : ٣٥٢ ، وابن حمزة في الوسيلة : ٢٣٦ ، واختاره العلاّمة في المختلف ٥ : ٥١.

(٤) أي بعض من قارب عصر المؤلّف قدس‌سره ، المشار إليه آنفاً.

(٥) لم ترد «هي في الأصل» في «ف».

(٦) انظر مقابس الأنوار : ١٠٧ و ٢٧٥.

(٧) في «ف» : لم ينقل.

لا ينفكّ التأثير عن الأثر (١) ، فالبيع وما يساويه معنىً من قبيل الإيجاب والوجوب ، لا الكسر والانكسار كما تخيّله بعض (٢) فتأمّل. ومنه يظهر ضعف أخذ القيد المذكور في معنى البيع المصطلح ، فضلاً عن أن يجعل أحد معانيها (٣).

وأمّا البيع بمعنى الأثر وهو الانتقال ، فلم يوجد في اللغة ولا في العرف (٤) ، وإنّما وقع في تعريف جماعة تبعاً للمبسوط (٥). وقد يوجّه (٦) : بأنّ المراد بالبيع المحدود المصدر من المبنيّ للمفعول ، أعني : «المبيعيّة» ، وهو تكلّف حسن.

وأمّا البيع بمعنى العقد ، فقد صرّح الشهيد الثاني رحمه‌الله : بأنّ إطلاقه عليه مجاز ؛ لعلاقة السببية (٧).

والظاهر أنّ المسبّب هو الأثر الحاصل في نظر الشارع ؛ لأنّه المسبّب عن العقد ، لا النقل الحاصل من فعل الموجِب ؛ لما عرفت من أنّه حاصل بنفس إنشاء الموجِب من دون توقّف على شي‌ءٍ ، كحصول وجوب الضرب في نظر الآمر (٨) بمجرّد الأمر وإن لم يَصر واجباً في‌

__________________

(١) كذا في «ف» ومصحّحة «ن» ، وقد وردت العبارة في سائر النسخ مع اختلاف غير مخلّ في التقديم والتأخير.

(٢) المراد به ظاهراً الشيخ أسد الله التستري ، راجع مقابس الأنوار : ١٠٧.

(٣) كذا في النسخ ، والمناسب : معانيه.

(٤) العبارة في «ف» هكذا : فلم يوجد له أثر في اللغة ولا العرف.

(٥) راجع الصفحة ١٠.

(٦) وجّهه المحقّق التستري في مقابس الأنوار : ٢٧٤.

(٧) المسالك ٣ : ١٤٤.

(٨) في «ف» : في نفس الآمر.

الخارج (١) في نظر غيره.

وإلى هذا نظر جميع ما ورد في النصوص والفتاوى من قولهم : «لزم البيع» ، أو «وجب» ، أو «لا بيع بينهما» ، أو «أقاله في البيع» ونحو ذلك.

والحاصل : أنّ البيع الذي يجعلونه من العقود يراد به النقل بمعنى اسم المصدر مع اعتبار تحقّقه في نظر الشارع ، المتوقّف على تحقّق الإيجاب والقبول ، فإضافة العقد إلى البيع بهذا المعنى ليست بيانيّة ؛ ولذا يقال : «انعقد البيع» ، و «لا ينعقد البيع».

البيع ونحوه من العقود اسم للصحيح أو للأعم؟

اختيار الشهيدين كونه للصحيح

ثمّ إنّ الشهيد الثاني نصّ في «كتاب اليمين» من المسالك على أنّ عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح ، مجاز في الفاسد ؛ لوجود خواصّ الحقيقة والمجاز ، كالتبادر وصحّة السلب. قال : ومِن ثَمّ حُمل (٢) الإقرار به عليه ، حتى لو ادّعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعاً ، ولو كان مشتركاً بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة ، وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعمّ من الحقيقة (٣) ، انتهى.

وقال الشهيد الأوّل (٤) في قواعده : الماهيّات الجعليّة كالصلاة والصوم وسائر العقود لا تطلق على الفاسد إلاّ الحجّ ؛ لوجوب المضيّ فيه (٥) ، انتهى. وظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي.

المناقشة فيما أفاده الشهيدان

ويشكل ما ذكراه بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك‌

__________________

(١) لم ترد «في الخارج» في «ف» ، وشطب عليها في «ن».

(٢) في غير «ش» : «قبل» ، وصحّح في أكثر النسخ بما في المتن.

(٣) المسالك (الطبعة الحجرية) ٢ : ١٥٩.

(٤) لم ترد «الأوّل» في «ف».

(٥) القواعد والفوائد ١ : ١٥٨.