درس مکاسب - بیع

جلسه ۷: حقیقت بیع ۷ - معاطات ۱

 

الخارج (١) في نظر غيره.

وإلى هذا نظر جميع ما ورد في النصوص والفتاوى من قولهم : «لزم البيع» ، أو «وجب» ، أو «لا بيع بينهما» ، أو «أقاله في البيع» ونحو ذلك.

والحاصل : أنّ البيع الذي يجعلونه من العقود يراد به النقل بمعنى اسم المصدر مع اعتبار تحقّقه في نظر الشارع ، المتوقّف على تحقّق الإيجاب والقبول ، فإضافة العقد إلى البيع بهذا المعنى ليست بيانيّة ؛ ولذا يقال : «انعقد البيع» ، و «لا ينعقد البيع».

البيع ونحوه من العقود اسم للصحيح أو للأعم؟

اختيار الشهيدين كونه للصحيح

ثمّ إنّ الشهيد الثاني نصّ في «كتاب اليمين» من المسالك على أنّ عقد البيع وغيره من العقود حقيقة في الصحيح ، مجاز في الفاسد ؛ لوجود خواصّ الحقيقة والمجاز ، كالتبادر وصحّة السلب. قال : ومِن ثَمّ حُمل (٢) الإقرار به عليه ، حتى لو ادّعى إرادة الفاسد لم يسمع إجماعاً ، ولو كان مشتركاً بين الصحيح والفاسد لقبل تفسيره بأحدهما كغيره من الألفاظ المشتركة ، وانقسامه إلى الصحيح والفاسد أعمّ من الحقيقة (٣) ، انتهى.

وقال الشهيد الأوّل (٤) في قواعده : الماهيّات الجعليّة كالصلاة والصوم وسائر العقود لا تطلق على الفاسد إلاّ الحجّ ؛ لوجوب المضيّ فيه (٥) ، انتهى. وظاهره إرادة الإطلاق الحقيقي.

المناقشة فيما أفاده الشهيدان

ويشكل ما ذكراه بأنّ وضعها للصحيح يوجب عدم جواز التمسّك‌

__________________

(١) لم ترد «في الخارج» في «ف» ، وشطب عليها في «ن».

(٢) في غير «ش» : «قبل» ، وصحّح في أكثر النسخ بما في المتن.

(٣) المسالك (الطبعة الحجرية) ٢ : ١٥٩.

(٤) لم ترد «الأوّل» في «ف».

(٥) القواعد والفوائد ١ : ١٥٨.

بإطلاق نحو ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (١) ، وإطلاقات (٢) أدلّة سائر العقود في مقام الشكّ في اعتبار شي‌ءٍ فيها ، مع أنّ سيرة علماء الإسلام التمسّك بها في هذه المقامات.

توجيه ما أفاده الشهيدان

نعم ، يمكن أن يقال : إنّ البيع وشبهه في العرف إذا استعمل في الحاصل من المصدر الذي يراد من قول القائل (٣) : «بعت» عند الإنشاء ، لا يستعمل حقيقة إلاّ في ما كان صحيحاً مؤثّراً ولو في نظر القائل (٤) ، ثمّ إذا كان مؤثّراً في نظر الشارع كان بيعاً عنده ، وإلاّ كان صورة بيع ، نظير بيع الهازل عند العرف.

فالبيع الذي يراد منه ما حصل عقيب قول القائل : «بعت» عند العرف والشرع حقيقة في الصحيح المفيد للأثر ، ومجاز في غيره ، إلاّ أنّ الإفادة وثبوت الفائدة مختلف في نظر العرف والشرع.

وجه التمسّك بإطلاق أدلّة البيع ونحوه

وأمّا وجه تمسّك العلماء بإطلاق أدلّة البيع ونحوه ؛ فلأنّ الخطابات لمّا وردت على طبق العرف ، حمل لفظ «البيع» وشبهه في الخطابات الشرعيّة على ما هو الصحيح المؤثّر عند العرف ، أو على المصدر الذي يراد من لفظ «بعت» ، فيستدلّ بإطلاق الحكم بحلّه أو بوجوب الوفاء على كونه مؤثّراً في نظر الشارع أيضاً ، فتأمّل فإنّ للكلام محلاّ آخر.

__________________

(١) البقرة : ٢٧٥.

(٢) في «ف» : إطلاق.

(٣) كلمة «القائل» من «ش» ومصحّحة «ن».

(٤) في «ف» : «نظر الفاعل» ، وفي «ش» : «نظرهم» ، وفي سائر النسخ جُمع بين ما أثبتناه وما في «ش».

[الكلام في المعاطاة]

الكلام في المعاطاة‌

حقيقة المعاطاة

اعلم أنّ المعاطاة على ما فسّره جماعة (١) ـ : أن يعطي كلٌّ من اثنين عوضاً عمّا يأخذه من الآخر ، وهو يتصوّر على وجهين :

صور المعاطاة

أحدهما : أن يبيح كلٌّ منهما للآخر التصرّف فيما يعطيه ، من دون نظر إلى تمليكه.

الثاني : أن يتعاطيا على وجه التمليك.

وربما يذكر وجهان آخران (٢) :

أحدهما : أن يقع النقل (٣) من غير قصد البيع ولا تصريحٍ بالإباحة المزبورة ، بل يعطي شيئاً ليتناول شيئاً فدفعه (٤) الآخر إليه.

الثاني : أن يقصد الملك المطلق ، دون خصوص البيع.

__________________

(١) منهم المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد (مخطوط) : ٢١٥ ، والشهيد الثاني في الروضة البهيّة ٣ : ٢٢٢ ، والسيّد الطباطبائي في الرياض ١ : ٥١٠.

(٢) ذكره صاحب الجواهر في الجواهر ٢٢ : ٢٢٦ و ٢٢٧.

(٣) في «ن» : الفعل.

(٤) كذا في النسخ ، والمناسب : «فيدفعه» ، كما في مصحّحة «ع».

ويردّ الأوّل : بامتناع خلوّ الدافع (١) عن قصد عنوان من عناوين البيع ، أو الإباحة ، أو العارية ، أو الوديعة ، أو القرض ، أو غير ذلك من العنوانات الخاصّة.

والثاني : بما تقدّم في تعريف البيع (٢) : من أنّ التمليك بالعوض على وجه المبادلة هو مفهوم البيع ، لا غير.

نعم ، يظهر من غير واحدٍ منهم (٣) في بعض (٤) العقود كبيع لبن الشاة مدّةً ، وغير ذلك ـ : كون التمليك المطلق أعمّ من البيع.

حكم المعاطاة

ثمّ إنّ المعروف بين علمائنا في حكمها : أنّها مفيدة لإباحة التصرّف (٥) ، ويحصل الملك بتلف إحدى العينين ، وعن المفيد (٦) وبعض العامّة (٧) : القول بكونها لازمة كالبيع ، وعن العلاّمة رحمه‌الله في النهاية‌

__________________

(١) في نسخة بدل «ن» ، «خ» ، «م» ، «ع» و «ش» : الواقع.

(٢) تقدّم في الصفحة ١٥.

(٣) انظر المختلف ٥ : ٢٤٩ ، والدروس ٣ : ١٩٧ ، وجامع المقاصد ٤ : ١١٠.

(٤) كذا في «ش» ، وفي سائر النسخ بدل «في بعض» : كون بعض.

(٥) كما سيأتي عن الحلبي ، والشيخ ، وابن زهرة ، وابن إدريس ، والعلاّمة في التذكرة.

(٦) نقله عنه المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد (مخطوط) : ٢١٦ ، وفيه : «خلافاً للمفيد رحمه‌الله فإنّه جعلها كالعقد» ، ونسبه في جامع المقاصد (٤ : ٥٨) إلى ظاهر عبارة المفيد ، ونحوه في مجمع الفائدة (٨ : ١٤٢). وفي الجواهر (٢٢ : ٢١٠) : «اشتهر نقل هذا عن المفيد» ، ولكن قال بعد أسطر : «وليس فيما وصل إلينا من كلام المفيد تصريح بما نسب إليه».

(٧) حكاه صاحب الجواهر في الجواهر (٢٢ : ٢١٠) عن أحمد ومالك ، وأُنظر المغني لابن قدامة ٣ : ٥٦١ ، والمجموع ٩ : ١٩١.

احتمال كونها بيعاً فاسداً في عدم إفادتها لإباحة التصرّف (١).

محل النزاع في المعاطاة

ولا بدّ أوّلاً من ملاحظة أنّ النزاع في المعاطاة المقصود بها الإباحة ، أو في المقصود بها التمليك؟

الظاهر من الخاصّة والعامّة هو المعنى الثاني.

تنزيل المحقّق الثاني الإباحة على الملك الجائز

وحيث إنّ الحكم بالإباحة بدون الملك قبل التلف وحصوله بعده لا يجامع ظاهراً قصد التمليك من المتعاطيين ، نزّل المحقّق الكركي الإباحة في كلامهم على الملك الجائز المتزلزل ، وأنّه يلزم بذهاب إحدى العينين ، وحقّق ذلك في شرحه على القواعد وتعليقه على الإرشاد بما لا مزيد عليه (٢).

توجيه صاحب الجواهر بأنّ محلّ النزاع هي المعاطاة بقصد الاباحة

لكن بعض المعاصرين لمّا استبعد هذا الوجه التجأ إلى جعل محلّ النزاع هي المعاطاة المقصود بها مجرّد الإباحة ، ورجّح بقاء الإباحة في كلامهم على ظاهرها المقابل للملك ، ونزّل مورد حكم قدماء الأصحاب بالإباحة على هذا الوجه ، وطعن على من جعل محلّ النزاع في المعاطاة بقصد التمليك ، قائلاً : إنّ القول بالإباحة الخالية عن الملك مع قصد الملك ممّا لا ينسب إلى أصاغر الطلبة ، فضلاً عن أعاظم الأصحاب وكبرائهم (٣).

المناقشة في توجيه المحقّق الثاني

والإنصاف : أنّ ما ارتكبه المحقّق الثاني في توجيه الإباحة بالملك المتزلزل ، بعيد في الغاية عن مساق كلمات الأصحاب ، مثل : الشيخ في‌

__________________

(١) نهاية الإحكام ٢ : ٤٤٩.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٥٨ ، حاشية الإرشاد (مخطوط) : ٢١٦.

(٣) الجواهر ٢٢ : ٢٢٤ ٢٢٥.