درس مکاسب - بیع

جلسه ۸: معاطات ۲

 

احتمال كونها بيعاً فاسداً في عدم إفادتها لإباحة التصرّف (١).

محل النزاع في المعاطاة

ولا بدّ أوّلاً من ملاحظة أنّ النزاع في المعاطاة المقصود بها الإباحة ، أو في المقصود بها التمليك؟

الظاهر من الخاصّة والعامّة هو المعنى الثاني.

تنزيل المحقّق الثاني الإباحة على الملك الجائز

وحيث إنّ الحكم بالإباحة بدون الملك قبل التلف وحصوله بعده لا يجامع ظاهراً قصد التمليك من المتعاطيين ، نزّل المحقّق الكركي الإباحة في كلامهم على الملك الجائز المتزلزل ، وأنّه يلزم بذهاب إحدى العينين ، وحقّق ذلك في شرحه على القواعد وتعليقه على الإرشاد بما لا مزيد عليه (٢).

توجيه صاحب الجواهر بأنّ محلّ النزاع هي المعاطاة بقصد الاباحة

لكن بعض المعاصرين لمّا استبعد هذا الوجه التجأ إلى جعل محلّ النزاع هي المعاطاة المقصود بها مجرّد الإباحة ، ورجّح بقاء الإباحة في كلامهم على ظاهرها المقابل للملك ، ونزّل مورد حكم قدماء الأصحاب بالإباحة على هذا الوجه ، وطعن على من جعل محلّ النزاع في المعاطاة بقصد التمليك ، قائلاً : إنّ القول بالإباحة الخالية عن الملك مع قصد الملك ممّا لا ينسب إلى أصاغر الطلبة ، فضلاً عن أعاظم الأصحاب وكبرائهم (٣).

المناقشة في توجيه المحقّق الثاني

والإنصاف : أنّ ما ارتكبه المحقّق الثاني في توجيه الإباحة بالملك المتزلزل ، بعيد في الغاية عن مساق كلمات الأصحاب ، مثل : الشيخ في‌

__________________

(١) نهاية الإحكام ٢ : ٤٤٩.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٥٨ ، حاشية الإرشاد (مخطوط) : ٢١٦.

(٣) الجواهر ٢٢ : ٢٢٤ ٢٢٥.

المناقشة في توجيه صاحب الجواهر

المبسوط ، والخلاف (١) ، والحلي في السرائر (٢) ، وابن زهرة في الغنية (٣) ، والحلبي في الكافي (٤) ، والعلاّمة في التذكرة وغيرها (٥) ، بل كلمات بعضهم صريحة في عدم الملك كما ستعرف إلاّ أنّ جعل محلّ النزاع ما إذا قصد الإباحة دون التمليك أبعد منه ، بل لا يكاد يوجد في كلام أحدٍ منهم ما يقبل (٦) الحمل على هذا المعنى.

دلالة كلام الفقهاء على بُعد التوجيهين

ولننقل أوّلاً كلمات جماعة ممّن ظفرنا على كلماتهم ؛ ليظهر منه بُعد تنزيل الإباحة على الملك المتزلزل كما صنعه المحقّق الكركي (٧) وأبعديّة جعل محلّ الكلام في كلمات قدمائنا الأعلام ما لو قصد المتعاطيان مجرّد إباحة التصرّفات دون التمليك (٨) ، فنقول وبالله التوفيق :

كلام الشيخ

قال (٩) في الخلاف : إذا دفع قطعة إلى البقلي أو الشارب ، فقال : أعطني بها بقلاً أو ماءً ، فأعطاه ، فإنّه لا يكون بيعاً وكذلك سائر المحقّرات وإنّما يكون إباحة له ، فيتصرّف كلٌّ منهما في ما أخذه تصرّفاً‌

__________________

(١) المبسوط ٢ : ٨٧ ، الخلاف ٣ : ٤١ ، كتاب البيوع ، المسألة ٥٩.

(٢) السرائر ٢ : ٢٥٠.

(٣) الغنية : ٢١٤.

(٤) الكافي في الفقه : ٣٥٢ ٣٥٣.

(٥) التذكرة ١ : ٤٦٢. وانظر المختلف ٥ : ٥١ ، والإرشاد ١ : ٣٥٩ ، والقواعد ١ : ١٢٣.

(٦) العبارة في «ف» هكذا : بل لا يكاد يوجد كلام منهم يقبل ..

(٧) تقدّم عنه في الصفحة السابقة.

(٨) في «ف» زيادة : كما صنعه بعض المعاصرين.

(٩) في «ف» : قال الشيخ.

رأي الشافعي في المعاطاة

رأي أبي حنيفة في المعاطاة

مباحاً من دون أن يكون ملكه ؛ وفائدة ذلك : أنّ البقلي إذا أراد أن يسترجع البقل أو أراد صاحب القطعة أن يسترجع قطعته كان لهما ذلك ؛ لأنّ الملك لم يحصل لهما ؛ وبه قال الشافعي.

وقال أبو حنيفة : يكون بيعاً صحيحاً وإن لم يحصل (١) الإيجاب والقبول. وقال ذلك في المحقّرات ، دون غيرها.

دليلنا : إنّ العقد حكم شرعي ، ولا دلالة في الشرع على وجوده هنا (٢) ، فيجب أن لا يثبت ، وأمّا الإباحة بذلك ، فهو مجمع عليه لا يختلف العلماء فيها (٣) ، انتهى.

ولا يخفى صراحة (٤) هذا الكلام في عدم حصول الملك ، وفي أنّ محلّ الخلاف بينه وبين أبي حنيفة ما لو قصد البيع ، لا الإباحة المجرّدة ، كما يظهر أيضاً من بعض كتب الحنفيّة ؛ حيث إنّه بعد تفسير البيع ب : «مبادلة مال بمال» قال : وينعقد بالإيجاب والقبول ، وبالتعاطي (٥) ، (٦) وأيضاً ، فتمسّكه بأنّ العقد حكمٌ شرعيّ ، يدلّ على عدم انتفاء قصد البيعيّة ، وإلاّ لكان الأولى ، بل المتعيّن : التعليل به ؛ إذ مع انتفاء حقيقة‌

__________________

(١) في «ش» والمصدر : لم يوجد.

(٢) في «ف» والمصدر : ها هنا.

(٣) الخلاف ٣ : ٤١ ، كتاب البيوع ، المسألة ٥٩.

(٤) في «ن» ، «خ» ، «م» و «ع» : «ظهور» ، وفي نسخة بدلها : صراحة.

(٥) في «ف» : والتعاطي.

(٦) انظر الفتاوى الهندية ٣ : ٢ ، وفيه بعد التعريف المذكور ـ : وأمّا ركنه ، فنوعان : أحدهما الإيجاب والقبول ، والثاني التعاطي وهو الأخذ والإعطاء.

البيع لغةً وعرفاً لا معنى للتمسّك بتوقيفيّة (١) الأسباب الشرعية ، كما لا يخفى.

كلام ابن ادريس

وقال في السرائر بعد ذكر اعتبار الإيجاب والقبول واعتبار تقدّم الأوّل على الثاني ما لفظه : فإذا دفع قطعة إلى البقلي أو إلى الشارب ، فقال : «أعطني» ، فإنّه لا يكون بيعاً ولا عقداً ؛ لأنّ الإيجاب والقبول ما حصلا ، وكذلك سائر المحقّرات ، وسائر الأشياء محقّراً كان أو غير محقّر ، من الثياب والحيوان أو غير ذلك ، وإنّما يكون إباحة له ، فيتصرّف كلّ منهما في ما أخذه تصرّفاً مباحاً ، من غير أن يكون ملكه أو دخل في ملكه ، ولكلٍّ منهما أن يرجع في ما بذله ؛ لأنّ الملك لم يحصل لهما ، وليس ذلك من العقود الفاسدة ؛ لأنّه لو كان عقداً فاسداً لم يصحّ التصرّف فيما صار إلى كلّ واحدٍ منهما ، وإنّما ذلك على جهة الإباحة (٢) ، انتهى.

فإنّ تعليله (٣) عدم الملك بعدم حصول الإيجاب والقبول يدلّ على أن ليس المفروض (٤) ما لو لم يقصد التمليك ، مع أنّ ذكره في حيّز شروط العقد يدلّ على ما ذكرنا ، ولا ينافي ذلك (٥) قوله : «وليس هذا من العقود الفاسدة .. إلخ (٦)» كما لا يخفى.

__________________

(١) كذا في «ف» و «ش» ، وفي سائر النسخ : «بتوقّفه على» ، إلاّ أنّه صحّح في «ن» و «ع» بما في المتن.

(٢) السرائر ٢ : ٢٥٠.

(٣) في «ف» : تعليل.

(٤) في ظاهر «ف» : المقصود.

(٥) لم ترد «ذلك» في «ف».

(٦) لم ترد «إلخ» في «ف».