درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۳۵: امکان تعبد به ظن ۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

على طبق تلك الأمارة والالتزام به في مقام العمل على أنّه هو الواقع وترتيب (١) الآثار الشرعيّة المترتّبة عليه واقعا ، يشتمل على مصلحة ، فأوجبه الشارع.

ومعنى إيجاب العمل على الأمارة : وجوب تطبيق العمل عليها ، لا وجوب إيجاد عمل على طبقها ؛ إذ قد لا تتضمّن الأمارة إلزاما على المكلّف ، فإذا تضمّنت استحباب شيء أو وجوبه تخييرا أو إباحته (٢) ، وجب عليه إذا أراد الفعل أن يوقعه على وجه الاستحباب أو الإباحة ، بمعنى حرمة قصد غيرهما ، كما لو قطع بهما (٣).

وتلك المصلحة لا بدّ أن تكون ممّا يتدارك بها ما يفوت من مصلحة الواقع لو كان الأمر بالعمل به مع التمكّن من العلم (٤) ؛ وإلاّ كان تفويتا لمصلحة الواقع ، وهو قبيح ، كما عرفت في كلام ابن قبة (٥).

فإن قلت : ما الفرق بين هذا الوجه الذي مرجعه إلى المصلحة في

__________________

في الوجه الثالث كانت هكذا : ...» ثمّ قال ـ بعد نقل العبارة كما أوردناه في المتن ـ : «ولم يكن في أصل العبارة لفظ" الأمر" وإنّما أضافها بعض أصحابه ، وعلى ذلك جرت نسخ الكتاب» ، فوائد الاصول ٣ : ٩٨.

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) : «ترتّب».

(٢) العبارة في (ظ) هكذا : «استحباب شيء أو وجود تخيير أو إباحة».

(٣) لم ترد «ومعنى ـ إلى ـ كما لو قطع بهما» في (ه) ، وفي (ت) أنّها «غلط» ، وكتب في (ص) عليها : «زيادة».

(٤) لم ترد «لو كان ـ إلى ـ من العلم» في (ت) و (ه).

(٥) راجع الصفحة ١٠٩.

العمل (١) بالأمارة (٢) وترتيب (٣) أحكام الواقع على مؤدّاها ، وبين الوجه السابق الراجع إلى كون قيام الأمارة سببا لجعل مؤدّاها (٤) على المكلّف؟

مثلا : إذا فرضنا قيام الأمارة على وجوب صلاة الجمعة مع كون الواجب في الواقع هي الظهر ، فإن كان في فعل الجمعة مصلحة يتدارك بها ما يفوت بترك صلاة الظهر ، فصلاة الظهر في حقّ هذا الشخص خالية عن المصلحة الملزمة ، فلا صفة تقتضي وجوبها الواقعي ، فهنا وجوب واحد ـ واقعا وظاهرا ـ متعلّق (٥) بصلاة الجمعة. وإن لم تكن في فعل الجمعة صفة كان الأمر بالعمل بتلك الأمارة قبيحا ؛ لكونه مفوّتا للواجب مع التمكّن من إدراكه بالعلم.

فالوجهان مشتركان في اختصاص الحكم الواقعيّ بغير من قام عنده الأمارة على وجوب صلاة الجمعة ، فيرجع الوجه الثالث إلى الوجه الثاني ، وهو كون الأمارة سببا لجعل مؤدّاها هو الحكم الواقعي لا غير وانحصار الحكم في المثال بوجوب (٦) صلاة الجمعة ، وهو التصويب الباطل.

الفرق بين الوجهين الأخيرين

قلت : أمّا رجوع الوجه الثالث إلى الوجه الثاني فهو باطل ؛ لأنّ

__________________

(١) في (ص) و (ه) : «في الأمر بالعمل».

(٢) في (ت) و (ه) : «على الأمارة».

(٣) في (ظ) ، (ل) و (م) : «ترتّب».

(٤) في (ت) و (ه) زيادة : «هو الحكم الواقعي».

(٥) في (ظ) و (م) : «يتعلّق» ، وفي (ر) و (ه) : «متعلّقا».

(٦) في نسخة بدل (ص) : «في وجوب».

مرجع جعل مدلول الأمارة في حقّه ـ الذي هو مرجع الوجه الثاني ـ إلى أنّ صلاة الجمعة واجبة (١) عليه واقعا ، كالعالم بوجوب صلاة الجمعة ، فإذا صلاّها فقد فعل الواجب الواقعي ، فإذا انكشف مخالفة الأمارة للواقع فقد انقلب موضوع الحكم واقعا إلى موضوع آخر ، كما إذا صار المسافر بعد فعل (٢) صلاة القصر حاضرا إذا قلنا بكفاية السفر في أوّل الوقت لصحّة القصر واقعا.

معنى وجوب العمل على طبق الأمارة

ومعنى وجوب العمل (٣) على طبق الأمارة (٤) : وجوب ترتيب (٥) أحكام الواقع (٦) على (٧) مؤدّاها من دون أن يحدث في الفعل مصلحة على تقدير مخالفة الواقع ـ كما يوهمه ظاهر عبارتي العدّة والنهاية المتقدّمتين (٨) ـ فإذا أدّت إلى وجوب صلاة الجمعة واقعا ، وجب ترتيب أحكام الوجوب الواقعي وتطبيق العمل على وجوبها الواقعي ، فإن كان في أوّل الوقت جاز الدخول فيها بقصد الوجوب وجاز تأخيرها ، فإذا فعلها جاز له فعل النافلة وإن حرمت في وقت الفريضة المفروض كونها في الواقع هي

__________________

(١) في (ت) ، (ر) ، (ل) و (ه) : «هي واجبة» ، وفي (ص) : «هي الواجبة».

(٢) لم ترد «فعل» في (ر) ، (ظ) و (م).

(٣) في (ه) : «ومعنى الأمر بالعمل».

(٤) في (ظ) ، (ل) و (م) زيادة : «على أنّ مضمونها هو الحكم الواقعي».

(٥) في (ص) بدل «وجوب ترتيب» : «الرخصة في ترتيب».

(٦) في (ت) و (ه) : «أحكام الواجب الواقعي».

(٧) لم ترد «الواقع على» في (م).

(٨) لم ترد «من دون ـ إلى ـ المتقدّمتين» في (ظ) ، (ل) و (م).

الظهر ؛ لعدم وجوب الظهر عليه فعلا ورخصته في تركها. وإن كان في آخر وقتها حرم تأخيرها والاشتغال بغيرها.

ثمّ إن استمرّ هذا الحكم الظاهريّ ـ أعني الترخيص في ترك الظهر إلى آخر وقتها ـ وجب كون الحكم الظاهريّ بكون ما فعله في أوّل الوقت هو الواقع ـ المستلزم لفوت (١) الواقع على المكلّف (٢) ـ مشتملا على مصلحة يتدارك بها ما فات لأجله من مصلحة الظهر ؛ لئلاّ يلزم تفويت الواجب الواقعي على المكلّف مع التمكّن من إتيانه بتحصيل العلم به.

وإن لم يستمرّ ، بل علم بوجوب الظهر في المستقبل ، بطل وجوب العمل على طبق وجوب صلاة الجمعة واقعا ، ووجب العمل على طبق عدم وجوبه في نفس الأمر من أوّل الأمر ؛ لأنّ المفروض عدم حدوث الوجوب النفس الأمري ، وإنّما عمل على طبقه ما دامت أمارة الوجوب قائمة ، فإذا فقدت بانكشاف وجوب الظهر وعدم وجوب الجمعة ، وجب حينئذ ترتيب ما هو كبرى لهذا المعلوم ـ أعني وجوب الإتيان بالظهر ـ ونقض آثار وجوب صلاة الجمعة إلاّ ما فات منها ؛ فقد تقدّم أنّ مفسدة فواته متداركة بالحكم الظاهريّ المتحقّق في زمان الفوت.

فلو فرضنا العلم بعد خروج وقت الظهر ، فقد تقدّم أنّ حكم الشارع بالعمل بمؤدّى الأمارة ـ اللازم منه ترخيص ترك الظهر في الجزء

__________________

(١) في (ت) ، (ر) و (ه) : «لفوات».

(٢) لم ترد «بكون ـ إلى ـ المكلّف» في (ظ) ، (ل) و (م) ، ووردت بدلها عبارة : «بجواز تركها إلى آخر وقتها ـ وكان الحكم الظاهريّ المستمرّ ـ» ، مع اختلاف يسير بينها.

الأخير ـ لا بدّ أن يكون لمصلحة يتدارك بها مفسدة ترك الظهر.

ثمّ إن قلنا : إنّ القضاء فرع صدق الفوت المتوقّف على فوات الواجب من حيث إنّ فيه مصلحة ، لم يجب فيما نحن فيه ؛ لأنّ الواجب وإن ترك إلاّ أنّ مصلحته متداركة ، فلا يصدق على هذا الترك الفوت.

وإن قلنا : إنّه متفرّع على مجرّد ترك الواجب ، وجب هنا ؛ لفرض العلم بترك صلاة الظهر مع وجوبها عليه واقعا.

إلاّ أن يقال : إنّ غاية ما يلزم في المقام ، هي المصلحة في معذوريّة هذا الجاهل مع تمكّنه من العلم ولو كانت لتسهيل الأمر على المكلّفين ، ولا ينافي ذلك صدق الفوت ، فافهم (١).

ثمّ إنّ هذا كلّه على ما اخترناه من عدم اقتضاء الأمر الظاهري للإجزاء ، واضح.

وأمّا على القول باقتضائه له ، فقد يشكل (٢) الفرق بينه وبين القول بالتصويب ، وظاهر شيخنا في تمهيد القواعد استلزام القول بالتخطئة لعدم الإجزاء ، قال قدس‌سره (٣) : من فروع مسألة التصويب والتخطئة ، لزوم الإعادة للصلاة بظنّ القبلة وعدمه (٤). وإن كان تمثيله لذلك بالموضوعات محلّ نظر.

__________________

(١) لم ترد «فافهم» في (ت) و (ه).

(٢) في (ت) و (ه) بدل «باقتضائه له فقد يشكل» : «بالاقتضاء فيشكل».

(٣) لم ترد عبارة «إلاّ أن يقال ـ إلى ـ قدس‌سره» في (ظ) ، (ل) و (م) ، ووردت بدلها : «ولأجل ما ذكرنا ذكر في تمهيد القواعد» ، نعم وردت عبارة «إلاّ أن يقال ـ إلى ـ قدس‌سره» في هامش (ل) تصحيحا.

(٤) تمهيد القواعد : ٣٢٢ ـ ٣٢٣.