درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۵۱: حجیت ظواهر کتاب ۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

[حجّية الظواهر بالنسبة إلى من لم يقصد إفهامه](١)

تفصيل صاحب القوانين بين من قصد إفهامه وغيره

وأمّا التفصيل الآخر :

فهو الذي يظهر من صاحب القوانين ـ في آخر مسألة حجّية الكتاب (٢) ، وفي أوّل مسألة الاجتهاد والتقليد (٣) ـ وهو : الفرق بين من قصد إفهامه بالكلام ، فالظواهر حجّة بالنسبة إليه من باب الظنّ الخاصّ ـ سواء كان مخاطبا كما في الخطابات الشفاهيّة ، أم لا كما في الناظر في الكتب المصنّفة لرجوع كلّ من ينظر إليها ـ وبين من لم يقصد إفهامه بالخطاب ، كأمثالنا بالنسبة إلى أخبار الأئمّة عليهم‌السلام الصادرة عنهم في مقام الجواب عن سؤال السائلين ، وبالنسبة إلى الكتاب العزيز بناء على عدم كون خطاباته موجّهة إلينا وعدم كونه من باب تأليف المصنّفين ، فالظهور اللفظيّ ليس حجّة حينئذ لنا ، إلاّ من باب الظنّ المطلق الثابت حجّيته عند انسداد باب العلم.

توجيه هذا التفصيل :

ويمكن توجيه هذا التفصيل : بأنّ الظهور اللفظيّ ليس حجّة إلاّ من باب الظنّ النوعيّ ، وهو كون اللفظ بنفسه ـ لو خلّي وطبعه ـ مفيدا للظنّ بالمراد ، فإذا (٤) كان مقصود المتكلّم من الكلام إفهام من يقصد

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) القوانين ١ : ٣٩٨ ـ ٤٠٣.

(٣) القوانين ٢ : ١٠٣.

(٤) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ل) : «فإن».

إفهامه ، فيجب عليه إلقاء الكلام على وجه لا يقع معه الملقى إليه في خلاف المراد (١) ، بحيث لو فرض وقوعه في خلاف المقصود كان إمّا لغفلة منه في الالتفات إلى ما اكتنف به الكلام الملقى إليه (٢) ، وإمّا لغفلة من المتكلّم في إلقاء الكلام على وجه يفي بالمراد ، ومعلوم أنّ احتمال الغفلة من المتكلّم أو (٣) السامع احتمال مرجوح في نفسه ، مع انعقاد الإجماع من العقلاء والعلماء على عدم الاعتناء باحتمال الغفلة في جميع امور العقلاء ، أقوالهم وأفعالهم.

وأمّا إذا لم يكن الشخص مقصودا بالإفهام ، فوقوعه في خلاف المقصود لا ينحصر سببه في الغفلة ؛ فإنّا إذا لم نجد في آية أو رواية ما يكون صارفا عن ظاهرها ، واحتملنا أن يكون المخاطب قد فهم المراد بقرينة قد اختفت (٤) علينا ، فلا يكون هذا الاحتمال لأجل غفلة من المتكلّم أو منّا ؛ إذ لا يجب على المتكلّم إلاّ نصب القرينة لمن يقصد إفهامه.

مع أنّ عدم تحقّق الغفلة من المتكلّم في محلّ الكلام مفروض ؛ لكونه معصوما ، وليس اختفاء القرينة علينا مسبّبا عن غفلتنا عنها ، بل لدواعي الاختفاء الخارجة عن مدخليّة المتكلّم ومن القي إليه الكلام.

__________________

(١) كذا في (م) ، وفي (ر) ، (ص) و (ل) : «على وجه لا يقع المخاطب معه في خلاف المراد» ، وفي (ه) : «على وجه لا يقع المخاطب الملقى إليه معه في خلاف المراد» ، وفي (ت) و (ظ) : «على وجه لا يقع الملقى إليه في خلاف المراد».

(٢) لم ترد «الملقى إليه» في (ظ) ، (ل) و (م) ، وكتب عليها في (ت) : «زائد».

(٣) في (ت) ، (ل) و (ه) : «و».

(٤) في (ر) ، (ص) و (ل) : «اخفيت».

فليس هنا شيء يوجب بنفسه الظنّ بالمراد حتّى لو فرضنا الفحص ، فاحتمال وجود القرينة حين الخطاب واختفائه علينا ، ليس هنا ما يوجب مرجوحيّته حتّى لو تفحّصنا عنها ولم نجدها ؛ إذ لا يحكم العادة ـ ولو ظنّا ـ بأنّها لو كانت لظفرنا بها ؛ إذ كثير (١) من الامور قد اختفت علينا ، بل لا يبعد دعوى العلم بأنّ ما اختفى علينا من الأخبار والقرائن أكثر ممّا ظفرنا بها.

مع أنّا لو سلّمنا حصول الظنّ بانتفاء القرائن المتّصلة ، لكنّ القرائن الحاليّة وما اعتمد عليه المتكلّم من الامور العقليّة أو النقليّة الكليّة أو الجزئيّة المعلومة عند المخاطب الصارفة لظاهر الكلام ، ليست ممّا يحصل الظنّ بانتفائها بعد البحث والفحص.

ولو فرض حصول الظنّ من الخارج بإرادة الظاهر من الكلام لم يكن ذلك ظنّا مستندا إلى الكلام ، كما نبّهنا عليه في أوّل المبحث (٢).

وبالجملة : فظواهر الألفاظ حجّة ـ بمعنى عدم الاعتناء باحتمال إرادة خلافها ـ إذا كان منشأ ذلك الاحتمال غفلة المتكلّم في كيفيّة الإفادة أو المخاطب في كيفيّة الاستفادة ؛ لأنّ احتمال الغفلة ممّا هو مرجوح في نفسه ومتّفق على عدم الاعتناء به في جميع الامور ، دون ما إذا (٣) كان الاحتمال مسبّبا عن اختفاء امور لم تجر العادة القطعيّة أو الظنّية بأنّها لو كانت لوصلت إلينا.

__________________

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) : «كثيرا».

(٢) راجع الصفحة ١٦١.

(٣) لم ترد «إذا» في (ت) ، (ر) و (ل).

ومن هنا ظهر : أنّ ما ذكرنا سابقا (١) ـ من اتّفاق العقلاء والعلماء على العمل بظواهر الكلام في الدعاوى ، والأقارير ، والشهادات ، والوصايا ، والمكاتبات ـ لا ينفع في ردّ هذا التفصيل ، إلاّ أن يثبت كون أصالة عدم القرينة حجّة من باب التعبّد ، ودون إثباتها خرط القتاد.

ودعوى : أنّ الغالب اتّصال القرائن ، فاحتمال اعتماد المتكلّم على القرينة المنفصلة مرجوح لندرته.

مردودة : بأنّ من المشاهد المحسوس تطرّق التقييد والتخصيص إلى أكثر العمومات والإطلاقات مع عدم وجوده في الكلام ، وليس إلاّ لكون الاعتماد في ذلك كلّه على القرائن المنفصلة ، سواء كانت منفصلة عند الاعتماد كالقرائن العقليّة والنقليّة الخارجيّة ، أم كانت مقاليّة متّصلة لكن عرض لها الانفصال بعد ذلك ؛ لعروض التقطيع للأخبار ، أو (٢) حصول التفاوت من جهة النقل بالمعنى ، أو غير ذلك ، فجميع ذلك ممّا لا يحصل الظنّ بأنّها لو كانت لوصلت إلينا.

مع إمكان أن يقال : إنّه لو حصل الظنّ لم يكن على اعتباره دليل خاصّ. نعم ، الظنّ الحاصل في مقابل احتمال الغفلة الحاصلة للمخاطب أو المتكلّم ممّا أطبق عليه العقلاء في جميع أقوالهم وأفعالهم.

هذا غاية ما يمكن من التوجيه لهذا التفصيل.

المناقشة في التفصيل المذكور

ولكنّ الإنصاف : أنّه لا فرق في العمل بالظهور اللفظيّ وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد ؛ فإنّ جميع

__________________

(١) راجع الصفحة ١٦١.

(٢) في (ه) : «و».