درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۵۲: حجیت ظواهر کتاب ۱۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ومن هنا ظهر : أنّ ما ذكرنا سابقا (١) ـ من اتّفاق العقلاء والعلماء على العمل بظواهر الكلام في الدعاوى ، والأقارير ، والشهادات ، والوصايا ، والمكاتبات ـ لا ينفع في ردّ هذا التفصيل ، إلاّ أن يثبت كون أصالة عدم القرينة حجّة من باب التعبّد ، ودون إثباتها خرط القتاد.

ودعوى : أنّ الغالب اتّصال القرائن ، فاحتمال اعتماد المتكلّم على القرينة المنفصلة مرجوح لندرته.

مردودة : بأنّ من المشاهد المحسوس تطرّق التقييد والتخصيص إلى أكثر العمومات والإطلاقات مع عدم وجوده في الكلام ، وليس إلاّ لكون الاعتماد في ذلك كلّه على القرائن المنفصلة ، سواء كانت منفصلة عند الاعتماد كالقرائن العقليّة والنقليّة الخارجيّة ، أم كانت مقاليّة متّصلة لكن عرض لها الانفصال بعد ذلك ؛ لعروض التقطيع للأخبار ، أو (٢) حصول التفاوت من جهة النقل بالمعنى ، أو غير ذلك ، فجميع ذلك ممّا لا يحصل الظنّ بأنّها لو كانت لوصلت إلينا.

مع إمكان أن يقال : إنّه لو حصل الظنّ لم يكن على اعتباره دليل خاصّ. نعم ، الظنّ الحاصل في مقابل احتمال الغفلة الحاصلة للمخاطب أو المتكلّم ممّا أطبق عليه العقلاء في جميع أقوالهم وأفعالهم.

هذا غاية ما يمكن من التوجيه لهذا التفصيل.

المناقشة في التفصيل المذكور

ولكنّ الإنصاف : أنّه لا فرق في العمل بالظهور اللفظيّ وأصالة عدم الصارف عن الظاهر بين من قصد إفهامه ومن لم يقصد ؛ فإنّ جميع

__________________

(١) راجع الصفحة ١٦١.

(٢) في (ه) : «و».

ما دلّ من إجماع العلماء وأهل اللسان على حجّية الظاهر بالنسبة إلى من قصد إفهامه جار في من لم يقصد ؛ لأنّ أهل اللسان إذا نظروا إلى كلام صادر من متكلّم إلى مخاطب ، يحكمون بإرادة ظاهره منه إذا لم يجدوا قرينة صارفة بعد الفحص في مظانّ وجودها ، ولا يفرّقون في استخراج مرادات المتكلّمين بين كونهم مقصودين بالخطاب وعدمه ، فإذا وقع المكتوب الموجّه من شخص إلى شخص بيد ثالث ، فلا يتأمّل في استخراج مرادات المتكلّم من الخطاب الموجّه (١) إلى المكتوب إليه ، فإذا فرضنا اشتراك هذا الثالث مع المكتوب إليه فيما أراد المولى منه (٢) ، فلا يجوز له الاعتذار في ترك الامتثال بعدم الاطّلاع على مراد المولى ، وهذا واضح لمن راجع الأمثلة العرفيّة.

هذا حال أهل اللسان في الكلمات الواردة إليهم ، وأمّا العلماء فلا خلاف بينهم في الرجوع إلى أصالة الحقيقة في الألفاظ المجرّدة عن القرائن الموجّهة من متكلّم إلى مخاطب ، سواء كان ذلك في الأحكام الجزئيّة ، كالوصايا الصادرة عن الموصي المعيّن إلى شخص معيّن ، ثمّ مسّت الحاجة إلى العمل بها مع فقد الموصى إليه ؛ فإنّ العلماء لا يتأمّلون في الإفتاء بوجوب العمل بظاهر ذلك الكلام الموجّه إلى الموصى إليه المفقود (٣). وكذا في الأقارير.

أم كان في الأحكام الكلّيّة ، كالأخبار الصادرة عن الأئمّة عليهم‌السلام

__________________

(١) في (ت) ، (ر) و (ص) : «المتوجّه».

(٢) في غير (ت) و (ه) : «منهم».

(٣) كذا في (ص) ، (ظ) ، (م) ونسخة بدل (ر) ، وفي غيرها : «المقصود».

مع كون المقصود منها تفهيم مخاطبيهم (١) لا غير ؛ فإنّه لم (٢) يتأمّل أحد من العلماء في استفادة الأحكام من ظواهرها معتذرا بعدم الدليل على حجّية أصالة عدم القرينة بالنسبة إلى غير المخاطب ومن قصد إفهامه.

ودعوى : كون ذلك منهم للبناء على كون الأخبار الصادرة عنهم عليهم‌السلام من قبيل تأليف المصنّفين ، واضحة الفساد.

مع أنّها لو صحّت لجرت في الكتاب العزيز ؛ فإنّه أولى بأن يكون من هذا القبيل ، فترتفع ثمرة التفصيل المذكور ؛ لأنّ المفصّل معترف (٣) بأنّ ظاهر الكلام الذي هو من قبيل تأليف المؤلّفين حجّة بالخصوص ، لا لدخوله في مطلق الظنّ ، وإنّما كلامه في اعتبار ظهور الكلام الموجّه إلى مخاطب خاصّ بالنسبة إلى غيره.

والحاصل : أنّ القطع حاصل لكلّ متتبّع في طريقة فقهاء المسلمين ، بأنّهم يعملون بظواهر الأخبار من دون ابتناء ذلك على حجّية الظنّ المطلق الثابتة بدليل الانسداد ، بل يعمل بها من يدّعي الانفتاح وينكر العمل بأخبار الآحاد ؛ مدّعيا كون معظم الفقه معلوما بالإجماع والأخبار المتواترة.

ويدلّ على ذلك أيضا : سيرة أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ؛ فإنّهم كانوا يعملون بظواهر الأخبار الواردة إليهم من الأئمّة الماضين عليهم‌السلام (٤) ،

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيرهما : «مخاطبهم».

(٢) في (ر) ، (ص) و (ل) : «لا».

(٣) في (ر) ، (ص) وظاهر (ل) : «اعترف».

(٤) لم ترد عبارة «من الأئمّة الماضين عليهم‌السلام» في (ر) ، (م) ، (ص) و (ظ) ، ولم ترد «الماضين» في (ت).

كما (١) يعملون بظواهر الأقوال التي يسمعونها (٢) من أئمّتهم عليهم‌السلام ، لا يفرّقون بينهما إلاّ بالفحص وعدمه ، كما سيأتي (٣).

والحاصل : أنّ الفرق في حجّية أصالة الحقيقة وعدم القرينة بين المخاطب وغيره مخالف للسيرة القطعيّة من العلماء وأصحاب الأئمّة عليهم‌السلام.

هذا كلّه ، مع أنّ التوجيه المذكور لذلك التفصيل ـ لابتنائه على الفرق بين أصالة عدم الغفلة والخطأ في فهم المراد ، وبين مطلق أصالة عدم القرينة ـ يوجب عدم كون ظواهر الكتاب من الظنون المخصوصة وإن قلنا بشمول الخطاب للغائبين ؛ لعدم جريان أصالة عدم الغفلة في حقّهم مطلقا.

فما ذكره ـ من ابتناء كون ظواهر الكتاب ظنونا مخصوصة على شمول الخطاب للغائبين ـ غير سديد ؛ لأنّ الظنّ المخصوص إن كان هو الحاصل من المشافهة الناشئ عن ظنّ عدم الغفلة والخطأ ، فلا يجري في حقّ الغائبين وإن قلنا بشمول الخطاب لهم ، وإن كان هو الحاصل من أصالة عدم القرينة فهو جار في الغائبين وإن لم يشملهم الخطاب.

وممّا يمكن أن يستدلّ به أيضا ـ زيادة على ما مرّ من اشتراك أدلّة حجّية الظواهر ، من إجماعي العلماء وأهل اللسان ـ : ما ورد في الأخبار المتواترة معنى ، من الأمر بالرجوع إلى الكتاب وعرض الأخبار

__________________

(١) في (ص) زيادة : «كانوا».

(٢) في (ظ) و (م) : «سمعوها».

(٣) انظر الصفحة ٣٤٧.