درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۷۰: اجماع منقول ۱۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المناقشة في كلام الحلي قدس‌سره

ولا يخفى : أنّ إخباره بإجماع العلماء على الفتوى بالمضايقة مبنيّ على الحدس والاجتهاد من وجوه :

أحدها : دلالة ذكر الخبر على عمل الذاكر به. وهذا وإن كان غالبيّا إلاّ أنّه لا يوجب القطع ؛ لمشاهدة التخلّف كثيرا.

الثاني : تماميّة دلالة تلك الأخبار عند اولئك على الوجوب ؛ إذ لعلّهم فهموا منها بالقرائن الخارجيّة تأكّد الاستحباب.

الثالث : كون رواة تلك الروايات موثوقا بهم عند اولئك ؛ لأنّ وثوق الحلّي بالرواة لا يدلّ على وثوق اولئك.

مع أنّ الحلّي لا يرى جواز العمل بأخبار الآحاد وإن كانوا ثقات ، والمفتي إذا استند فتواه إلى خبر واحد ، لا يوجب اجتماع أمثاله القطع بالواقع ، خصوصا لمن يخطّئ العمل بأخبار الآحاد.

وبالجملة : فكيف يمكن أن يقال : إنّ مثل هذا الإجماع إخبار عن قول الإمام عليه‌السلام ، فيدخل في الخبر الواحد؟ مع أنّه في الحقيقة اعتماد على اجتهادات الحلّي مع وضوح فساد بعضها ؛ فإنّ كثيرا ممّن ذكر أخبار المضايقة قد ذكر أخبار المواسعة أيضا (١) ، وأنّ المفتي إذا علم استناده إلى مدرك لا يصلح للركون (٢) إليه ـ من جهة الدلالة أو المعارضة ـ لا يؤثّر فتواه في الكشف عن قول الإمام عليه‌السلام.

وأوضح حالا في عدم جواز الاعتماد : ما ادّعاه الحلّي من الإجماع

__________________

(١) كالشيخ الصدوق في الفقيه ١ : ٣٥٨ ، و ٤٣٤ ، الحديث ١٠٣١ و ١٢٦٤ ، والشيخ الطوسي في التهذيب ٢ : ١٧١ و ٢٧٣ ، الحديث ٦٨٠ و ١٠٨٦.

(٢) في (ظ) و (ه) : «الركون».

على وجوب فطرة الزوجة ولو كانت ناشزة على الزوج (١) ، وردّه المحقّق بأنّ أحدا من علماء الإسلام لم يذهب إلى ذلك (٢).

فإنّ الظاهر أنّ الحلّي إنّما اعتمد في استكشاف أقوال العلماء على تدوينهم للروايات الدالّة بإطلاقها على وجوب فطرة (٣) الزوجة على الزوج (٤) ؛ متخيّلا أنّ الحكم معلّق على الزوجة من حيث هي زوجة ، ولم يتفطّن لكون الحكم من حيث العيلولة ، أو وجوب الانفاق.

فكيف يجوز الاعتماد في مثله على الإخبار بالاتّفاق الكاشف عن قول الإمام عليه‌السلام ، ويقال : إنّها سنّة محكيّة؟

وما أبعد ما بين ما استند إليه الحلّي في هذا المقام وبين ما ذكره المحقّق في بعض كلماته المحكيّة ، حيث قال :

كلام المحقّق في المسائل العزية

إنّ الاتّفاق على لفظ مطلق شامل لبعض أفراده الذي وقع فيه الكلام ، لا يقتضي الإجماع على ذلك الفرد ؛ لأنّ المذهب لا يصار إليه من إطلاق اللفظ ما لم يكن معلوما من القصد ؛ لأنّ الإجماع مأخوذ من قولهم : «أجمع على كذا» إذا عزم عليه ، فلا يدخل في الإجماع على الحكم إلاّ من علم منه القصد إليه. كما أنّا لا نعلم مذهب عشرة من الفقهاء الذين لم ينقل مذهبهم لدلالة عموم القرآن وإن كانوا قائلين به (٥) ، انتهى كلامه.

__________________

(١) السرائر ١ : ٤٦٦.

(٢) المعتبر ٢ : ٦٠١ ـ ٦٠٢.

(٣) في (ظ) ، (ل) و (م) : «نفقة».

(٤) انظر الوسائل ٦ : ٢٢٨ ، الباب ٥ من أبواب زكاة الفطرة ، الحديث ٣ و ٤.

(٥) المسائل العزيّة (الرسائل التسع) : ١٤٤ ـ ١٤٥.

كلام الشهيد في الذكري

وهو في غاية المتانة. لكنّك عرفت (١) ما وقع من جماعة من المسامحة في إطلاق لفظ «الإجماع» ، وقد حكى في المعالم عن الشهيد : أنّه أوّل كثيرا من الاجماعات ـ لأجل مشاهدة المخالف في مواردها ـ بإرادة الشهرة ، أو بعدم الظفر بالمخالف حين دعوى الإجماع ، أو بتأويل الخلاف على وجه لا ينافي الإجماع ، أو بإرادة الإجماع على الرواية وتدوينها في كتب الحديث (٢) ، انتهى.

كلام المحدّث المجلسي في البحار

وعن المحدّث المجلسيّ قدس‌سره في كتاب الصلاة من البحار بعد ذكر معنى الإجماع ووجه حجّيّته عند الأصحاب :

إنّهم لمّا رجعوا إلى الفقه كأنّهم نسوا ما ذكروه في الاصول ـ ثمّ أخذ في الطعن على إجماعاتهم إلى أن قال : ـ فيغلب على الظنّ أنّ مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الاصول (٣) ، انتهى.

المناقشة في ما أفادة الشهيد والمجلسي

والتحقيق : أنّه لا حاجة إلى ارتكاب التأويل في لفظ «الإجماع» بما ذكره الشهيد ، ولا إلى ما ذكره المحدّث المذكور (٤) قدس‌سرهما ، من تغاير مصطلحهم في الفروع والاصول ، بل الحقّ : أنّ دعواهم للاجماع في الفروع مبنيّ على استكشاف الآراء ورأي الإمام عليه‌السلام إمّا من حسن الظنّ بجماعة من السلف ، أو من امور تستلزم ـ باجتهادهم ـ إفتاء العلماء بذلك وصدور الحكم عن الإمام عليه‌السلام أيضا.

__________________

(١) راجع الصفحة ١٨٦ ـ ١٨٧.

(٢) انظر المعالم : ١٧٤ ، والذكرى ١ : ٥١.

(٣) البحار ٨٩ : ٢٢٢.

(٤) لم ترد في (م) : «المذكور».

وليس في هذا مخالفة لظاهر لفظ «الإجماع» حتّى يحتاج إلى القرينة ، ولا تدليس ؛ لأنّ دعوى الإجماع ليست (١) لأجل اعتماد الغير عليه وجعله دليلا يستريح إليه في المسألة.

نعم ، قد يوجب التدليس من جهة نسبة الفتوى إلى العلماء ، الظاهرة في وجدانها في كلماتهم ، لكنّه يندفع بأدنى تتبّع في الفقه ، ليظهر أنّ مبنى ذلك على استنباط المذهب ، لا على وجدانه مأثورا.

والحاصل : أنّ المتتبّع في الاجماعات المنقولة يحصل له القطع من تراكم أمارات كثيرة ، باستناد دعوى الناقلين للاجماع ـ خصوصا إذا أرادوا به اتّفاق علماء جميع الأعصار كما هو الغالب في إجماعات المتأخّرين ـ إلى الحدس الحاصل من حسن الظنّ بجماعة ممّن تقدّم على الناقل ، أو من الانتقال من الملزوم إلى لازمه (٢) ، مع ثبوت الملازمة باجتهاد الناقل واعتقاده.

وعلى هذا ينزّل الإجماعات المتخالفة من العلماء مع اتّحاد العصر أو تقارب العصرين ، وعدم المبالاة كثيرا بإجماع الغير والخروج عنه للدليل ، وكذا دعوى الإجماع مع وجود المخالف ؛ فإنّ ما ذكرنا في مبنى الإجماع من أصحّ المحامل لهذه الامور المنافية لبناء دعوى الإجماع على تتبّع الفتاوى في خصوص المسألة.

وذكر المحقّق السبزواري في الذخيرة ، بعد بيان تعسّر العلم بالاجماع :

__________________

(١) في غير (ت) : «ليس».

(٢) في (ه) : «اللازم».