درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۷۱: اجماع منقول ۱۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وليس في هذا مخالفة لظاهر لفظ «الإجماع» حتّى يحتاج إلى القرينة ، ولا تدليس ؛ لأنّ دعوى الإجماع ليست (١) لأجل اعتماد الغير عليه وجعله دليلا يستريح إليه في المسألة.

نعم ، قد يوجب التدليس من جهة نسبة الفتوى إلى العلماء ، الظاهرة في وجدانها في كلماتهم ، لكنّه يندفع بأدنى تتبّع في الفقه ، ليظهر أنّ مبنى ذلك على استنباط المذهب ، لا على وجدانه مأثورا.

والحاصل : أنّ المتتبّع في الاجماعات المنقولة يحصل له القطع من تراكم أمارات كثيرة ، باستناد دعوى الناقلين للاجماع ـ خصوصا إذا أرادوا به اتّفاق علماء جميع الأعصار كما هو الغالب في إجماعات المتأخّرين ـ إلى الحدس الحاصل من حسن الظنّ بجماعة ممّن تقدّم على الناقل ، أو من الانتقال من الملزوم إلى لازمه (٢) ، مع ثبوت الملازمة باجتهاد الناقل واعتقاده.

وعلى هذا ينزّل الإجماعات المتخالفة من العلماء مع اتّحاد العصر أو تقارب العصرين ، وعدم المبالاة كثيرا بإجماع الغير والخروج عنه للدليل ، وكذا دعوى الإجماع مع وجود المخالف ؛ فإنّ ما ذكرنا في مبنى الإجماع من أصحّ المحامل لهذه الامور المنافية لبناء دعوى الإجماع على تتبّع الفتاوى في خصوص المسألة.

وذكر المحقّق السبزواري في الذخيرة ، بعد بيان تعسّر العلم بالاجماع :

__________________

(١) في غير (ت) : «ليس».

(٢) في (ه) : «اللازم».

كلام المحقّق السبزواري في الذخيرة

أنّ مرادهم بالإجماعات المنقولة في كثير من المسائل بل في أكثرها ، لا يكون محمولا على معناه الظاهر ، بل إمّا يرجع إلى اجتهاد من الناقل مؤدّ ـ بحسب القرائن والأمارات التي اعتبرها ـ إلى أنّ المعصوم عليه‌السلام موافق في هذا الحكم ، أو مرادهم الشهرة ، أو اتّفاق أصحاب الكتب المشهورة ، أو غير ذلك من المعاني المحتملة.

ثمّ قال بعد كلام له : والذي ظهر لي من تتبّع كلام المتأخّرين ، أنّهم كانوا ينظرون إلى كتب الفتاوى الموجودة عندهم في حال التأليف ، فإذا رأوا اتّفاقهم على حكم قالوا : إنّه إجماعيّ ، ثمّ إذا اطّلعوا على تصنيف آخر خالف مؤلّفه الحكم المذكور ، رجعوا عن الدعوى المذكورة ، ويرشد إلى هذا كثير من القرائن التي لا يناسب هذا المقام تفصيلها (١) ، انتهى.

حاصل الكلام في المسألة

وحاصل الكلام من أوّل ما ذكرنا إلى هنا : أنّ الناقل للإجماع إن احتمل في حقّه تتبّع فتاوى من ادّعى اتّفاقهم حتّى الإمام الذي هو داخل في المجمعين ، فلا إشكال في حجّيّته وفي إلحاقه بالخبر الواحد ؛ إذ لا يشترط في حجّيّته معرفة الإمام عليه‌السلام تفصيلا حين السماع منه.

لكن هذا الفرض ممّا يعلم بعدم وقوعه ، وأنّ المدّعي للإجماع لا يدّعيه على هذا الوجه.

وبعد هذا ، فإن احتمل في حقّه تتبّع فتاوى جميع المجمعين ، والمفروض أنّ الظاهر من كلامه هو (٢) اتّفاق الكلّ المستلزم عادة لموافقة

__________________

(١) ذخيرة المعاد : ٥٠ ـ ٥١.

(٢) لم ترد : «هو» في (ظ) ، (ل) و (م).

قول الإمام عليه‌السلام ، فالظاهر حجّيّة خبره للمنقول إليه ، سواء جعلنا المناط في حجّيته تعلّق خبره بنفس الكاشف ، الذي هو من الامور المحسوسة المستلزمة ضرورة لأمر حدسي وهو قول الإمام عليه‌السلام ، أو جعلنا المناط تعلّق خبره بالمنكشف وهو قول الإمام عليه‌السلام ؛ لما عرفت (١) : من أنّ الخبر الحدسيّ المستند إلى إحساس ما هو ملزوم للمخبر به عادة ، كالخبر الحسّي في وجوب القبول. وقد تقدّم الوجهان في كلام السيّد الكاظمي في شرح الوافية (٢).

لكنّك قد عرفت سابقا (٣) : القطع بانتفاء هذا الاحتمال ، خصوصا إذا أراد الناقل اتّفاق علماء جميع الأعصار.

نعم ، لو فرضنا قلّة العلماء في عصر بحيث يحاط بهم ، أمكن دعوى اتّفاقهم عن حسّ ، لكن هذا غير مستلزم عادة لموافقة قول الإمام عليه‌السلام. نعم ، يكشف عن موافقته بناء على طريقة الشيخ المتقدّمة (٤) التي لم تثبت عندنا وعند الأكثر (٥).

ثمّ إذا علم عدم استناد دعوى اتّفاق العلماء المتشتّتين في الأقطار ـ الذي يكشف عادة عن موافقة الإمام عليه‌السلام ـ إلاّ إلى الحدس الناشئ عن أحد الامور المتقدّمة التي مرجعها إلى حسن الظنّ أو الملازمات

__________________

(١) راجع الصفحة ١٩٨ ـ ١٩٩.

(٢) راجع الصفحة ٢٠٠.

(٣) راجع الصفحة ٢٠٢.

(٤) في الصفحة ١٩٢.

(٥) في (ت) ، (ر) و (ص) : «الأكثرين».

الاجتهاديّة ، فلا عبرة بنقله ؛ لأنّ الإخبار بقول الإمام عليه‌السلام حدسيّ غير مستند إلى حسّ ملزوم له عادة ليكون نظير الإخبار بالعدالة المستندة إلى الآثار الحسيّة ، والإخبار بالاتّفاق أيضا حدسيّ.

فائدة نقل الإجماع

نعم ، يبقى هنا شيء ، وهو : أنّ هذا المقدار من النسبة المحتمل استناد الناقل فيها إلى الحسّ يكون خبره حجّة فيها ؛ لأنّ ظاهر الحكاية محمول على الوجدان إلاّ إذا قام هناك صارف ، والمعلوم من الصارف هو عدم استناد الناقل إلى الوجدان والحسّ في نسبة الفتوى إلى جميع من ادّعى إجماعهم ، وأمّا استناد نسبة الفتوى إلى جميع أرباب الكتب المصنّفة في الفتاوى إلى الوجدان في كتبهم بعد التتبّع ، فأمر محتمل لا يمنعه عادة ولا عقل.

وما تقدّم من المحقّق السبزواري (١) ـ من ابتناء دعوى الإجماع على ملاحظة الكتب الموجودة عنده حال التأليف ـ فليس عليه شاهد ، بل الشاهد على خلافه. وعلى تقديره ، فهو ظنّ لا يقدح في العمل بظاهر النسبة ؛ فإنّ نسبة الأمر الحسّيّ إلى شخص ظاهر في إحساس الغير إيّاه من ذلك الشخص.

وحينئذ : فنقل الإجماع غالبا ـ إلاّ ما شذّ ـ حجّة بالنسبة إلى صدور الفتوى عن جميع المعروفين من أهل الفتاوى.

ولا يقدح في ذلك : أنّا نجد الخلاف في كثير من موارد دعوى الإجماع ؛ إذ من المحتمل إرادة الناقل ما عدا المخالف ، فتتبّع كتب من عداه ونسب الفتوى إليهم ، بل لعلّه اطّلع على رجوع من نجده مخالفا ،

__________________

(١) راجع الصفحة ٢١٢.

فلا حاجة إلى حمل كلامه على من عدا المخالف.

وهذا المضمون المخبر به عن حسّ وإن لم يكن مستلزما بنفسه عادة لموافقة قول الإمام عليه‌السلام ، إلاّ أنّه قد يستلزمه (١) بانضمام أمارات أخر يحصّلها المتتبّع ، أو بانضمام أقوال المتأخّرين دعوى الإجماع.

لو حصل من نقل الإجماع وما انضمّ إليه القطع بالحكم

مثلا : إذا ادّعى الشيخ قدس‌سره الإجماع على اعتبار طهارة مسجد الجبهة ، فلا أقلّ من احتمال أن يكون دعواه مستندة إلى وجدان الحكم في الكتب المعدّة للفتوى ـ وإن كان بإيراد الروايات التي يفتي المؤلّف بمضمونها ـ فيكون خبره المتضمّن لإفتاء جميع أهل الفتوى بهذا الحكم حجّة في المسألة ، فيكون كما لو وجدنا الفتاوى في كتبهم ، بل سمعناها منهم ، وفتواهم وإن لم تكن بنفسها مستلزمة عادة لموافقة الإمام عليه‌السلام ، إلاّ أنّا إذا ضممنا إليها فتوى من تأخّر عن الشيخ من أهل الفتوى ، وضمّ إلى ذلك أمارات أخر ، فربما حصل من المجموع القطع بالحكم ؛ لاستحالة تخلّف هذه جميعها عن قول الإمام عليه‌السلام.

وبعض هذا المجموع ـ وهو اتّفاق أهل الفتاوى المأثورة عنهم ـ وإن لم يثبت لنا بالوجدان ، إلاّ أنّ المخبر قد أخبر به عن حسّ ، فيكون حجّة كالمحسوس لنا.

وكما أنّ مجموع ما يستلزم عادة لصدور (٢) الحكم عن الإمام عليه‌السلام ـ إذا أخبر به العادل عن حسّ ـ قبل منه وعمل بمقتضاه ، فكذا إذا أخبر العادل ببعضه عن حسّ.

__________________

(١) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ه) : «يستلزم».

(٢) في (ت) و (ه) : «صدور».