درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۷۸: شهرت فتوائیه ۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

[الشهرة الفتوائية](١)

هل الشهرة الفتوائيّة حجّة ، أم لا

ومن جملة الظنون التي توهّم حجّيّتها بالخصوص :

الشهرة في الفتوى ، الحاصلة بفتوى جلّ الفقهاء المعروفين ، سواء كان في مقابلها فتوى غيرهم بالخلاف (٢) أم لم يعرف الخلاف والوفاق من غيرهم.

ثمّ إنّ المقصود هنا ليس التعرّض لحكم الشهرة من حيث الحجّيّة في الجملة ، بل المقصود إبطال توهّم كونها من الظنون الخاصّة ، وإلاّ فالقول بحجّيّتها من حيث إفادة المظنّة بناء على دليل الانسداد غير بعيد.

منشأ توهّم الحجّية

ثمّ إنّ منشأ توهّم كونها من الظنون الخاصّة أمران :

أحدهما : الاستدلال بمفهوم الموافقة : ما يظهر من بعض (٣) : من أنّ أدلّة حجّيّة خبر الواحد تدلّ على حجّيّتها بمفهوم الموافقة ؛ لأنّه ربما يحصل منها الظنّ الأقوى من

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «بخلاف».

(٣) انظر مفاتيح الاصول : ٤٨٠ و ٤٩٩ ـ ٥٠١.

الحاصل من خبر العادل.

المناقشة في هذا الاستدلال

وهذا خيال ضعيف تخيّله بعض في بعض رسائله ، ووقع نظيره من الشهيد الثاني في المسالك (١) ، حيث وجّه حجّية الشياع الظنّي بكون الظنّ الحاصل منه أقوى من الحاصل من شهادة العدلين.

وجه الضعف : أنّ الأولويّة الظنّية أوهن بمراتب من الشهرة ، فكيف يتمسّك بها في حجّيتها؟! مع أنّ الأولويّة ممنوعة رأسا ؛ للظنّ بل العلم بأنّ المناط والعلّة في حجّية الأصل ليس مجرّد إفادة الظنّ.

وأضعف من ذلك : تسمية هذه الأولويّة في كلام ذلك البعض مفهوم الموافقة ؛ مع أنّه ما كان استفادة حكم الفرع من الدليل اللفظيّ الدالّ على حكم الأصل ، مثل قوله تعالى : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ﴾(٢).

٢ ـ دلالة مرفوعة زرارة ، ومقبولة ابن حنظلة

الأمر (٣) الثاني : دلالة مرفوعة زرارة ، ومقبولة ابن حنظلة على ذلك :

ففي الاولى : «قال زرارة : قلت : جعلت فداك ، يأتي عنكم الخبران أو (٤) الحديثان المتعارضان ، فبأيّهما نعمل؟ قال : خذ بما اشتهر بين أصحابك ، ودع الشّاذّ النادر ، قلت : يا سيّدي ، إنّهما معا مشهوران مأثوران عنكم؟ قال : خذ بما يقوله أعدلهما ... الخبر» (٥).

__________________

(١) المسالك (الطبعة الحجرية) ٢ : ٣٢٧.

(٢) الإسراء : ٢٣.

(٣) لم ترد في (ت) ، (ر) و (ه) : «الأمر».

(٤) كذا في (ص) والمصدر ، وفي غيرهما : «و».

(٥) مستدرك الوسائل ١٧ : ٣٠٣ ، الحديث ٢.

بناء على أنّ المراد بالموصول مطلق المشهور رواية كان أو فتوى ، أو أنّ إناطة الحكم بالاشتهار تدلّ على اعتبار الشهرة في نفسها وإن لم تكن في الرواية.

وفي المقبولة بعد فرض السائل تساوي الراويين في العدالة ، قال عليه‌السلام :

«ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك ـ الذي حكما به ـ المجمع عليه بين أصحابك ، فيؤخذ به ، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، وإنّما الامور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى الله ورسوله ؛ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال بيّن ، وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشّبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم.

قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ... إلى آخر الرواية» (١).

بناء على أنّ المراد بالمجمع عليه في الموضعين هو المشهور ؛ بقرينة إطلاق المشهور عليه في قوله : «ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور» فيكون في التعليل بقوله : «فإنّ المجمع عليه ... الخ» دلالة على أنّ المشهور مطلقا ممّا يجب العمل به ، وإن كان مورد التعليل الشهرة في الرواية.

وممّا يؤيّد إرادة الشهرة من الإجماع : أنّ المراد لو كان الإجماع الحقيقيّ لم يكن ريب في بطلان خلافه ، مع أنّ الإمام عليه‌السلام جعل مقابله ممّا فيه الريب.

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ٧٥ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث الأوّل.