درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۷۹: شهرت فتوائیه ۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بناء على أنّ المراد بالموصول مطلق المشهور رواية كان أو فتوى ، أو أنّ إناطة الحكم بالاشتهار تدلّ على اعتبار الشهرة في نفسها وإن لم تكن في الرواية.

وفي المقبولة بعد فرض السائل تساوي الراويين في العدالة ، قال عليه‌السلام :

«ينظر إلى ما كان من روايتهم عنّا في ذلك ـ الذي حكما به ـ المجمع عليه بين أصحابك ، فيؤخذ به ، ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور عند أصحابك ؛ فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه ، وإنّما الامور ثلاثة : أمر بيّن رشده فيتّبع ، وأمر بيّن غيّه فيجتنب ، وأمر مشكل يردّ حكمه إلى الله ورسوله ؛ قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : حلال بيّن ، وحرام بيّن ، وشبهات بين ذلك ، فمن ترك الشّبهات نجا من المحرّمات ، ومن أخذ بالشّبهات وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم.

قلت : فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم ... إلى آخر الرواية» (١).

بناء على أنّ المراد بالمجمع عليه في الموضعين هو المشهور ؛ بقرينة إطلاق المشهور عليه في قوله : «ويترك الشاذّ الذي ليس بمشهور» فيكون في التعليل بقوله : «فإنّ المجمع عليه ... الخ» دلالة على أنّ المشهور مطلقا ممّا يجب العمل به ، وإن كان مورد التعليل الشهرة في الرواية.

وممّا يؤيّد إرادة الشهرة من الإجماع : أنّ المراد لو كان الإجماع الحقيقيّ لم يكن ريب في بطلان خلافه ، مع أنّ الإمام عليه‌السلام جعل مقابله ممّا فيه الريب.

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ٧٥ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث الأوّل.

الجواب عن الاستدلال بالمرفوعة

ولكن في الاستدلال بالروايتين ما لا يخفى من الوهن :

أمّا الاولى : فيرد عليها ـ مضافا إلى ضعفها ، حتّى أنّه ردّها من ليس دأبه الخدشة في سند الروايات كالمحدّث البحراني (١) ـ : أنّ المراد بالموصول هو (٢) خصوص الرواية المشهورة من الروايتين دون مطلق الحكم (٣) المشهور ؛ ألا ترى أنّك لو سألت عن أنّ أيّ المسجدين أحبّ إليك ، فقلت : ما كان الاجتماع فيه أكثر ، لم يحسن للمخاطب أن ينسب إليك محبوبيّة كلّ مكان يكون الاجتماع فيه أكثر ، بيتا كان أو خانا أو سوقا ، وكذا لو أجبت عن سؤال المرجّح لأحد الرمّانين فقلت : ما كان أكبر.

والحاصل : أنّ دعوى العموم في المقام لغير الرواية ممّا لا يظنّ بأدنى التفات (٤).

مع أنّ الشهرة الفتوائيّة ممّا لا يقبل أن يكون في طرفي المسألة ، فقوله : «يا سيّدي ، إنّهما معا (٥) مشهوران مأثوران» أوضح شاهد على أنّ المراد بالشهرة الشهرة في الرواية الحاصلة بأن يكون الرواية (٦) ممّا

__________________

(١) الحدائق ١ : ٩٩.

(٢) في (ت) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «هي».

(٣) في (ت) ، (ل) و (ه) : «حكم».

(٤) في (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «ملتفت».

(٥) لم ترد «معا» في (ر) ، (ص) ، (ل) و (م).

(٦) كذا في (ص) ، وفي (ر) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «أنّ المراد بالشهرة في الرواية الحاصلة بأن يكون الرواية» ، إلاّ أنّ في (ر) بدلى «بالشهرة» : «الشهرة» ، وفي (ت) و (ه) : «أنّ المراد بالشهرة في الرواية الظهور بأن يكون الرواية».

اتّفق الكلّ على روايته أو تدوينه ، وهذا ممّا يمكن اتّصاف الروايتين المتعارضتين به.

الجواب عن الاستدلال بالمقبولة

ومن هنا يعلم الجواب عن التمسّك بالمقبولة ، وأنّه لا تنافي بين إطلاق المجمع عليه على المشهور وبالعكس حتّى تصرف أحدهما عن ظاهره بقرينة الآخر ؛ فإنّ إطلاق المشهور في مقابل الإجماع إنّما هو إطلاق حادث مختصّ بالاصوليّين ، وإلاّ فالمشهور هو الواضح المعروف ، ومنه : شهر فلان سيفه ، وسيف شاهر.

فالمراد أنّه يؤخذ بالرواية التي يعرفها جميع أصحابك ولا ينكرها أحد منهم ، ويترك ما لا يعرفه إلاّ الشاذّ ولا يعرفه (١) الباقي ، فالشاذّ مشارك للمشهور في معرفة الرواية المشهورة ، والمشهور لا يشاركون (٢) الشاذّ في معرفة الرواية الشاذّة ؛ ولهذا كانت الرواية المشهورة من قبيل بيّن الرشد ، والشاذّ من قبيل المشكل الذي يردّ علمه إلى أهله ؛ وإلاّ فلا معنى للاستشهاد بحديث التثليث.

وممّا يضحك الثّكلى في هذا المقام ، توجيه قوله : «هما معا مشهوران» بإمكان انعقاد الشهرة في عصر على فتوى وفي عصر آخر على خلافها ، كما قد يتّفق بين القدماء والمتأخّرين ، فتدبّر.

__________________

(١) كذا في (ت) ، وفي غيرها : «ولا يعرفها».

(٢) في (ر) و (ص) : «لا يشارك».