درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۸۰: خبر واحد ۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

[حجية خبر الواحد](١)

ومن جملة الظنون الخارجة (٢) بالخصوص عن أصالة حرمة العمل بغير العلم :

خبر الواحد ـ في الجملة ـ عند المشهور ، بل كاد أن يكون إجماعا.

إثبات الحكم الشرعي بالأخبار يتوقّف على مقدّمات

اعلم : أنّ إثبات الحكم الشرعيّ بالأخبار المرويّة عن الحجج عليهم‌السلام (٣) موقوف على مقدّمات ثلاث :

الاولى : كون الكلام صادرا عن الحجّة.

الثانية : كون صدوره لبيان حكم الله ، لا على وجه آخر ، من تقيّة أو (٤) غيرها.

الثالثة : ثبوت دلالته (٥) على الحكم المدّعى ، وهذا يتوقّف :

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) كذا في (ت) و (ر) ، وفي غيرهما : «الخارج».

(٣) في (ت) ، (ص) و (ه) زيادة : «الحاكية لقولهم».

(٤) في غير (م) : «و».

(٥) في غير (ت) : «دلالتها».

أوّلا : على تعيين أوضاع ألفاظ الرواية.

وثانيا : على تعيين المراد منها ، وأنّ المراد مقتضى وضعها أو غيره.

فهذه امور أربعة :

قد (١) أشرنا (٢) إلى كون الجهة الثانية من المقدّمة الثالثة من الظنون الخاصّة ، وهو المعبّر عنه بالظهور اللفظيّ ، وإلى أنّ الجهة الاولى منها ممّا لم يثبت كون الظنّ الحاصل فيها بقول اللغوي من الظنون الخاصّة ، وإن لم نستبعد الحجّية أخيرا (٣).

وأمّا المقدّمة الثانية : فهي أيضا ثابتة بأصالة عدم صدور الرواية لغير داعي بيان الحكم الواقعيّ ، وهي حجّة ؛ لرجوعها إلى القاعدة المجمع عليها بين العلماء والعقلاء : من حمل كلام المتكلّم على كونه صادرا لبيان مطلوبه الواقعيّ ، لا لبيان خلاف مقصوده من تقيّة أو خوف ؛ ولذا لا يسمع دعواه ممّن يدّعيه إذا لم يكن كلامه محفوفا بأماراته.

و (٤) أمّا المقدّمة الاولى : فهي التي عقد لها مسألة حجّيّة أخبار الآحاد ، فمرجع هذه المسألة إلى أنّ السنّة ـ أعني قول الحجّة أو فعله أو تقريره ـ هل تثبت بخبر الواحد أم لا تثبت إلاّ بما يفيد القطع من التواتر والقرينة؟

__________________

(١) في (ت) ، (ص) و (ل) : «وقد» ، لكن شطب على «و» في (ص).

(٢) راجع الصفحة ١٣٧.

(٣) راجع الصفحة ١٧٧ ، ولم ترد في (ظ) ، (ل) و (م) : «وإن لم نستبعد الحجّيّة أخيرا».

(٤) لم ترد «و» في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ه).

ومن هنا يتّضح دخولها في مسائل اصول الفقه الباحثة عن أحوال الأدلّة ، ولا حاجة إلى تجشّم دعوى : أنّ البحث عن دليليّة الدليل بحث عن أحوال الدليل (١).

ثمّ اعلم : أنّ أصل وجوب العمل بالأخبار المدوّنة في الكتب المعروفة ممّا اجمع عليه في هذه الأعصار ، بل لا يبعد كونه ضروريّ المذهب.

الخلاف في الأخبار المدوّنة في مقامين

وإنّما الخلاف في مقامين :

١ ـ هل هي مقطوعة الصدور ، أم لا؟

أحدهما : كونها مقطوعة الصدور أو غير مقطوعة؟ فقد ذهب شرذمة من متأخّري الأخباريّين (٢) ـ فيما نسب إليهم ـ إلى كونها قطعيّة الصدور.

وهذا قول لا فائدة في بيانه والجواب عنه ، إلاّ التحرّز عن حصول هذا الوهم لغيرهم كما حصل لهم ؛ وإلاّ فمدّعي القطع لا يلزم بذكر ضعف مبنى قطعه. وقد كتبنا في سالف الزمان في ردّ هذا القول رسالة (٣) تعرّضنا فيها لجميع ما ذكروه ، وبيان ضعفها بحسب ما أدّى إليه فهمي القاصر.

٢ ـ هل هي معتبرة بالخصوص ، أم لا؟

الثاني : أنّها مع عدم قطعيّة صدورها معتبرة بالخصوص أم لا؟

__________________

(١) هذه الدعوى من صاحب الفصول في الفصول : ١٢.

(٢) منهم : صاحب الوسائل في الوسائل ١٨ : ٥٢ و ٧٥ ، والشيخ حسين الكركي في هداية الأبرار : ١٧.

(٣) الظاهر أنّ هذه الرسالة مفقودة.

فالمحكيّ عن السيّد (١) والقاضي (٢) وابن زهرة (٣) والطبرسي (٤) وابن إدريس قدّس الله أسرارهم : المنع (٥) ، وربما نسب إلى المفيد (٦) قدس‌سره ؛ حيث حكى عنه في المعارج (٧) أنّه قال : «إنّ خبر الواحد القاطع للعذر هو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالنظر إلى العلم ، وربما يكون ذلك إجماعا أو شاهدا من عقل» (٨) ، وربما ينسب إلى الشيخ ، كما سيجيء عند نقل كلامه (٩) ، وكذا إلى المحقّق ، بل إلى ابن بابويه (١٠) ، بل في الوافية : أنّه لم يجد القول بالحجّيّة صريحا ممّن تقدّم على العلاّمة (١١) ، وهو عجيب.

ما هو المعتبر منها؟

وأمّا القائلون بالاعتبار ، فهم مختلفون من جهة : أنّ المعتبر منها كلّ ما في الكتب المعتبرة (١٢) ـ كما يحكى عن بعض

__________________

(١) الذريعة ٢ : ٥٢٨ ، رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٣٠٩.

(٢) حكاه عنه صاحب المعالم في المعالم : ١٨٩.

(٣) الغنية (الجوامع الفقهية) : ٤٧٥.

(٤) مجمع البيان ٥ : ١٣٣.

(٥) السرائر ١ : ٥١.

(٦) في (ظ) و (م) : «ينسب».

(٧) المعارج : ١٨٧.

(٨) التذكرة بأصول الفقه (مصنّفات الشيخ المفيد) ٩ : ٤٤.

(٩) انظر الصفحة ٣١٩ ، وما بعدها.

(١٠) نسبه إليهم الفاضل التوني في الوافية : ١٥٨.

(١١) الوافية : ١٥٨.

(١٢) لم ترد «المعتبرة» في (ر) و (ظ) ، وشطب عليها في (ل) ، ووردت بدلها في (ر) و (ظ) : «الأربعة» ، وفي (ت) ونسخة بدل (ص) و (ه) زيادة : «الأربعة».

الأخباريّين (١) أيضا ، وتبعهم بعض المعاصرين من الاصوليّين (٢) بعد استثناء ما كان مخالفا للمشهور ـ ، أو أنّ المعتبر بعضها ، وأنّ المناط في الاعتبار عمل الأصحاب كما يظهر من كلام المحقّق (٣) ، أو عدالة الراوي ، أو وثاقته ، أو مجرّد الظنّ بصدور الرواية من غير اعتبار صفة في الراوي ، أو غير ذلك من التفصيلات (٤)(٥).

والمقصود هنا : بيان إثبات حجّيّته بالخصوص في الجملة في مقابل السلب الكلّي.

ولنذكر ـ أوّلا ـ ما يمكن أن يحتجّ به القائلون بالمنع ، ثمّ نعقّبه بذكر أدلّة الجواز ، فنقول :

__________________

(١) منهم : المحدّث العاملي في الوسائل ١٨ : ٥٢ و ٧٥ ، والمحدّث البحراني في الحدائق ١ : ٢٥ ، والشيخ حسين الكركي في هداية الأبرار : ١٧.

(٢) وهو المحقّق النراقي في المناهج : ١٦٥.

(٣) المعتبر ١ : ٢٩.

(٤) انظر تفصيل ذلك في مفاتيح الاصول : ٣٥٧ ـ ٣٧١.

(٥) في (ت) ، (ر) و (ص) زيادة : «في الأخبار» ، وشطب عليها في (م) ، وفي (ص) كتب فوقها : نسخة.