درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۸۴: خبر واحد ۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

بطرح مخالف الكتاب؟ فإنّ حملها على طرح ما يباين الكتاب كليّة حمل على فرد نادر بل معدوم ، فلا ينبغي لأجله هذا الاهتمام الذي عرفته في الأخبار.

قلت : هذه الأخبار على قسمين :

منها : ما يدلّ على عدم صدور الخبر المخالف للكتاب والسنّة عنهم عليهم‌السلام ، وأنّ المخالف لهما باطل ، وأنّه ليس بحديثهم.

ومنها : ما يدلّ على عدم جواز تصديق الخبر المحكيّ عنهم عليهم‌السلام إذا خالف الكتاب والسنّة.

أمّا الطائفة الاولى ـ فالأقرب حملها على الأخبار الواردة في اصول الدين ، مثل مسائل الغلوّ والجبر والتفويض التي ورد فيها الآيات والأخبار النبويّة ، وهذه الأخبار غير موجودة في كتبنا الجوامع ؛ لأنّها اخذت عن الاصول بعد تهذيبها من تلك الأخبار.

وأمّا الثانية ـ فيمكن حملها على ما ذكر في الاولى. ويمكن حملها على صورة تعارض الخبرين ؛ كما يشهد به مورد بعضها. ويمكن حملها على خبر غير الثقة ؛ لما سيجيء من الأدلّة على اعتبار خبر الثقة.

هذا كلّه في الطائفة الدالّة على طرح الأخبار المخالفة للكتاب والسنّة.

٤ ـ ما دلّ على طرح ما لا يوافق الكتاب

وأمّا الطائفة الآمرة بطرح ما لا يوافق (١) الكتاب أو لم يوجد عليه شاهد من الكتاب والسنّة :

__________________

(١) في (ظ) و (م) : «لم يوافق».

فالجواب عنها ـ بعد ما عرفت (١) من القطع بصدور الأخبار الغير الموافقة لما يوجد في الكتاب منهم عليهم‌السلام ، كما دلّ عليه روايتا الاحتجاج والعيون المتقدّمتان (٢) المعتضدتان بغيرهما من الأخبار (٣) ـ :

أنّها محمولة على ما تقدّم في الطائفة الآمرة بطرح الأخبار المخالفة للكتاب والسنّة.

وأنّ ما دلّ منها على بطلان ما لم يوافق وكونه زخرفا محمول على الأخبار الواردة في اصول الدين ، مع احتمال كون ذلك من أخبارهم الموافقة للكتاب والسنّة على (٤) الباطن الذي يعلمونه منهما (٥) ؛ ولهذا كانوا يستشهدون كثيرا بآيات لا نفهم دلالتها.

وما دلّ على عدم جواز تصديق الخبر الذي لا يوجد عليه شاهد من كتاب الله ، على خبر غير الثقة أو صورة التعارض ؛ كما هو ظاهر غير واحد من الأخبار العلاجيّة.

ثمّ إنّ الأخبار المذكورة ـ على فرض تسليم دلالتها ـ وإن كانت كثيرة ، إلاّ أنّها لا تقاوم الأدلّة الآتية ؛ فإنّها موجبة للقطع بحجّيّة خبر الثقة ، فلا بدّ من مخالفة الظاهر في هذه الأخبار.

الجواب عن الاستدلال بالإجماع

وأمّا الجواب عن الإجماع الذي ادّعاه السيّد والطبرسي قدس‌سرهما :

__________________

(١) راجع الصفحة ٤٨.

(٢) في الصفحة ٢٤٩ ـ ٢٥٠.

(٣) انظر الوسائل ١٨ : ٨٤ ، الباب ٩ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢٩.

(٤) في (ظ) و (م) : «وعلى».

(٥) في (ر) ، (ص) ، (ظ) و (ل) : «منها».

فبأنّه لم يتحقّق لنا هذا الإجماع ، والاعتماد على نقله تعويل على خبر الواحد ، مع معارضته بما سيجيء (١) : من دعوى الشيخ ـ المعتضدة بدعوى جماعة اخرى ـ الإجماع على حجّيّة خبر الواحد في الجملة ، وتحقّق الشهرة على خلافها بين القدماء والمتأخّرين (٢).

وأمّا نسبة بعض العامّة ـ كالحاجبيّ والعضديّ (٣) ـ عدم الحجّيّة إلى الرافضة ، فمستندة إلى ما رأوا من السيّد : من دعوى الإجماع بل ضرورة المذهب على كون خبر الواحد كالقياس عند الشيعة.

__________________

(١) انظر الصفحة ٣١١ و ٣٣٣.

(٢) لم ترد في (ظ) : «بين القدماء والمتأخّرين» ، وشطب عليها في (م).

(٣) انظر شرح مختصر الاصول ١ : ١٦٠ ـ ١٦١ ، المتن للحاجبي ، والشرح للعضدي.

أدلّة القائلين بالحجيّة

وأمّا المجوّزون فقد استدلّوا على حجّيّته بالأدلّة الأربعة :

الاستدلال بالكتاب

أمّا الكتاب ، فقد ذكروا منه آيات ادّعوا دلالتها :

منها : قوله تعالى في سورة الحجرات :

الآية الاولى : آية «النبأ»

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾(١).

الاستدلال بها من طريقين

والمحكيّ في وجه الاستدلال بها وجهان :

١ - من طريق مفهوم الشرط

أحدهما : من طريق مفهوم الشرط أنّه سبحانه علّق وجوب التثبّت على مجيء الفاسق ، فينتفي عند انتفائه ـ عملا بمفهوم الشرط ـ وإذا لم يجب التثبّت عند مجيء غير الفاسق ، فإمّا أن يجب القبول وهو المطلوب ، أو الردّ وهو باطل ؛ لأنّه يقتضي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق ، وفساده بيّن.

٢ - من طريق مفهوم الوصف

الثاني : من طريق مفهوم الوصف أنّه تعالى أمر بالتثبّت عند إخبار الفاسق ، وقد اجتمع فيه وصفان ، ذاتيّ وهو كونه خبر واحد ، وعرضيّ وهو كونه خبر فاسق ، ومقتضى التثبّت هو الثاني ؛ للمناسبة والاقتران ؛ فإنّ الفسق يناسب عدم القبول ، فلا يصلح الأوّل للعلّيّة ؛ وإلاّ لوجب الاستناد إليه ؛ إذ التعليل بالذاتيّ الصالح للعلّيّة أولى من التعليل بالعرضيّ ؛ لحصوله قبل حصول العرضيّ ، فيكون الحكم قد حصل قبل حصول العرضيّ ، وإذا لم يجب التثبّت عند إخبار العدل ، فإمّا أن يجب القبول ، وهو المطلوب ، أو الردّ ، فيكون حاله أسوأ من حال الفاسق ، وهو محال.

أقول : الظاهر أنّ أخذهم للمقدّمة الأخيرة ـ وهي أنّه إذا لم يجب

__________________

(١) الحجرات : ٦.