درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۸۵: خبر واحد ۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أدلّة القائلين بالحجيّة

وأمّا المجوّزون فقد استدلّوا على حجّيّته بالأدلّة الأربعة :

الاستدلال بالكتاب

أمّا الكتاب ، فقد ذكروا منه آيات ادّعوا دلالتها :

منها : قوله تعالى في سورة الحجرات :

الآية الاولى : آية «النبأ»

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾(١).

الاستدلال بها من طريقين

والمحكيّ في وجه الاستدلال بها وجهان :

١ - من طريق مفهوم الشرط

أحدهما : من طريق مفهوم الشرط أنّه سبحانه علّق وجوب التثبّت على مجيء الفاسق ، فينتفي عند انتفائه ـ عملا بمفهوم الشرط ـ وإذا لم يجب التثبّت عند مجيء غير الفاسق ، فإمّا أن يجب القبول وهو المطلوب ، أو الردّ وهو باطل ؛ لأنّه يقتضي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق ، وفساده بيّن.

٢ - من طريق مفهوم الوصف

الثاني : من طريق مفهوم الوصف أنّه تعالى أمر بالتثبّت عند إخبار الفاسق ، وقد اجتمع فيه وصفان ، ذاتيّ وهو كونه خبر واحد ، وعرضيّ وهو كونه خبر فاسق ، ومقتضى التثبّت هو الثاني ؛ للمناسبة والاقتران ؛ فإنّ الفسق يناسب عدم القبول ، فلا يصلح الأوّل للعلّيّة ؛ وإلاّ لوجب الاستناد إليه ؛ إذ التعليل بالذاتيّ الصالح للعلّيّة أولى من التعليل بالعرضيّ ؛ لحصوله قبل حصول العرضيّ ، فيكون الحكم قد حصل قبل حصول العرضيّ ، وإذا لم يجب التثبّت عند إخبار العدل ، فإمّا أن يجب القبول ، وهو المطلوب ، أو الردّ ، فيكون حاله أسوأ من حال الفاسق ، وهو محال.

أقول : الظاهر أنّ أخذهم للمقدّمة الأخيرة ـ وهي أنّه إذا لم يجب

__________________

(١) الحجرات : ٦.

التثبّت وجب القبول ؛ لأنّ الردّ مستلزم لكون العادل أسوأ حالا من الفاسق ـ مبنيّ على ما يتراءى من ظهور الأمر بالتبيّن في الوجوب النفسيّ ، فيكون هنا امور ثلاثة ، الفحص عن الصدق والكذب ، والردّ من دون تبيّن ، والقبول كذلك.

لكنّك خبير : بأنّ الأمر بالتبيّن هنا مسوق لبيان الوجوب الشرطيّ ، وأنّ التبيّن شرط للعمل بخبر الفاسق دون العادل ، فالعمل بخبر العادل غير مشروط بالتبيّن ، فيتمّ المطلوب من دون ضمّ مقدّمة خارجيّة ، وهي كون العادل أسوأ حالا من الفاسق.

والدليل على كون الأمر بالتبيّن للوجوب الشرطيّ لا النفسيّ ـ مضافا إلى أنّه المتبادر عرفا في أمثال المقام ، وإلى أنّ الإجماع قائم على عدم ثبوت الوجوب النفسيّ للتبيّن في خبر الفاسق ، وإنّما أوجبه من أوجبه عند إرادة العمل به ، لا مطلقا ـ هو :

أنّ التعليل في الآية بقوله تعالى : ﴿أَنْ تُصِيبُوا ...﴾ الخ (١) لا يصلح (٢) أن يكون تعليلا للوجوب النفسيّ ؛ لأنّ حاصله يرجع إلى أنّه : لئلاّ تصيبوا قوما بجهالة بمقتضى العمل بخبر الفاسق فتندموا على فعلكم بعد تبيّن الخلاف ، ومن المعلوم أنّ هذا لا يصلح إلاّ علّة لحرمة العمل بدون التبيّن ، فهذا هو المعلول ، ومفهومه جواز العمل بخبر العادل من دون تبيّن.

مع أنّ في الأولويّة (٣) المذكورة في كلام الجماعة بناء على كون

__________________

(١) الحجرات : ٦.

(٢) في (م) : «لا يصحّ».

(٣) في (ص) : «الأسوئيّة».

وجوب التبيّن نفسيّا ، ما لا يخفى ؛ لأنّ الآية على هذا ساكتة عن حكم العمل بخبر الواحد ـ قبل التبيّن أو بعده (١) ـ فيجوز اشتراك الفاسق والعادل في عدم جواز العمل قبل التبيّن ، كما أنّهما يشتركان قطعا في جواز العمل بعد التبيّن والعلم بالصدق ؛ لأنّ العمل ـ حينئذ ـ بمقتضى التبيّن لا باعتبار الخبر.

فاختصاص الفاسق بوجوب التعرّض لخبره والتفتيش عنه دون العادل ، لا يستلزم كون العادل أسوأ حالا ، بل مستلزم لمزيّة كاملة للعادل على الفاسق ، فتأمّل.

ما أورد على الاستدلال بالآية بما لا يمكن دفعه :

وكيف كان : فقد اورد على الآية إيرادات كثيرة ربما تبلغ إلى نيّف وعشرين ، إلاّ أنّ كثيرا منها قابلة للدفع ، فلنذكر أوّلا ما لا يمكن الذبّ عنه ، ثمّ نتبعه بذكر بعض ما اورد من الإيرادات القابلة للدفع.

أمّا ما لا يمكن الذبّ عنه فإيرادان :

١ ـ عدم اعتبار مفهوم الوصف

أحدهما : عدم اعتبار مفهوم الوصف أنّ الاستدلال إن كان راجعا إلى اعتبار (٢) مفهوم الوصف ـ أعني الفسق ـ ، ففيه : أنّ المحقّق في محلّه عدم اعتبار المفهوم في الوصف ، خصوصا في الوصف الغير المعتمد على موصوف محقّق كما فيما نحن فيه ؛ فإنّه أشبه بمفهوم اللقب.

ولعلّ هذا مراد من أجاب عن الآية ـ كالسيّدين (٣) وأمين الإسلام (٤)

__________________

(١) في (ظ) بدل «بعده» : «مع تعذّره».

(٢) لم ترد «اعتبار» في (ظ).

(٣) الذريعة ٢ : ٥٣٥ ، والغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٧٥.

(٤) مجمع البيان ٥ : ١٣٣.