درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۹۵: خبر واحد ۱۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الفقه ، والظنّ الذي لا يتمسّك به في الاصول مطلقا هو مطلق الظنّ ، لا الظنّ الخاصّ.

انحصار مفهوم الآية في المعصوم عليهم‌السلام ومن دونه

ومنها : أنّ المراد بالفاسق مطلق الخارج عن طاعة الله ولو بالصغائر ، فكلّ من كان كذلك أو احتمل في حقّه ذلك وجب التبيّن في خبره ، وغيره ممّن يفيد قوله العلم ؛ لانحصاره في المعصوم أو من هو دونه ، فيكون في تعليق الحكم بالفسق إشارة إلى أنّ مطلق خبر المخبر غير المعصوم لا عبرة به ؛ لاحتمال فسقه ؛ لأنّ المراد الفاسق الواقعيّ لا المعلوم.

فهذا وجه آخر لإفادة الآية حرمة اتّباع غير العلم ، لا يحتاج معه إلى التمسّك في ذلك بتعليل الآية ، كما تقدّم (١) في الإيراد الثاني من الإيرادين الأوّلين.

الجواب عن هذا الإيراد

وفيه : أنّ إرادة مطلق الخارج عن طاعة الله من إطلاق الفاسق خلاف الظاهر عرفا ، فالمراد به : إمّا الكافر ، كما هو الشائع إطلاقه في الكتاب ، حيث إنّه يطلق غالبا في مقابل المؤمن. وإمّا الخارج عن طاعة الله بالمعاصي الكبيرة الثابتة تحريمها في زمان نزول هذه الآية ، فالمرتكب للصغيرة غير داخل تحت إطلاق الفاسق في عرفنا المطابق للعرف السابق.

مضافا إلى قوله تعالى : ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾(٢).

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٥٩.

(٢) النساء : ٣١.

مع أنّه يمكن فرض الخلوّ عن الصغيرة والكبيرة ، كما إذا علم منه التوبة من الذنب السابق ، وبه يندفع الإيراد المذكور ، حتّى على مذهب من يجعل كلّ ذنب كبيرة (١).

وأمّا احتمال فسقه بهذا الخبر ـ لكذبه فيه ـ فهو غير قادح ؛ لأنّ ظاهر قوله : ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾(٢) تحقّق الفسق قبل النبأ لا به ، فالمفهوم يدلّ على قبول خبر من ليس فاسقا مع قطع النظر عن هذا النبأ واحتمال فسقه به.

هذه جملة ممّا أوردوه على ظاهر الآية ، وقد عرفت (٣) أنّ الوارد منها إيرادان ، والعمدة الايراد الأوّل الذي أورده جماعة من القدماء والمتأخّرين (٤).

الاستدلال بمنطوق الآية على حجيّة خبر غير العادل إذا حصل الظنّ بصدقه

ثمّ إنّه كما استدلّ بمفهوم الآية على حجّيّة خبر العادل ، كذلك قد يستدلّ بمنطوقها على حجّيّة خبر غير العادل إذا حصل الظنّ بصدقه ؛ بناء على أنّ المراد ب «التبيّن» : ما يعمّ تحصيل الظنّ ، فإذا حصل من الخارج ظنّ بصدق خبر الفاسق كفى في العمل به.

ومن التبيّن الظنّيّ : تحصيل شهرة العلماء على العمل بالخبر أو على مضمونه أو على (٥) روايته ، ومن هنا تمسّك بعض (٦) بمنطوق الآية على

__________________

(١) كالحلّي في السرائر ٢ : ١١٨ ، وانظر تفصيل ذلك في مفاتيح الاصول : ٥٥٤.

(٢) الحجرات : ٦.

(٣) راجع الصفحة ٢٥٦.

(٤) تقدّم ذكرهم في الصفحة ٢٥٦ ـ ٢٥٧.

(٥) لم ترد «على» في (ت) ، (ر) و (ظ).

(٦) انظر الفوائد الحائريّة : ٤٨٩ ، ومفاتيح الاصول : ٤٧٥.

حجّيّة الخبر الضعيف المنجبر بالشهرة ، وفي حكم الشهرة أمارة اخرى غير معتبرة.

ولو عمّم التبيّن للتبيّن الاجماليّ ـ وهو تحصيل الظنّ بصدق مخبره ـ دخل خبر الفاسق المتحرّز عن الكذب ؛ فيدخل الموثّق وشبهه بل الحسن أيضا.

وعلى ما ذكر ، فيثبت من آية النبأ ـ منطوقا ومفهوما ـ حجّيّة الأقسام الأربعة للخبر : الصحيح ، والحسن ، والموثّق ، والضعيف المحفوف بقرينة ظنّيّة.

المناقشة في الاستدلال المذكور

ولكن فيه من الإشكال ما لا يخفى ؛ لأنّ التبيّن ظاهر في العلميّ ؛ كيف ولو كان المراد مجرّد الظنّ لكان الأمر به في خبر الفاسق لغوا ، إذ العاقل لا يعمل بخبر إلاّ بعد رجحان صدقه على كذبه.

إلاّ أن يدفع اللغويّة بما ذكرنا سابقا : من أنّ المقصود التنبيه والارشاد على أنّ الفاسق لا ينبغي أن يعتمد عليه ، وأنّه لا يؤمن من كذبه وإن كان المظنون صدقه.

وكيف كان : فمادّة «التبيّن» ولفظ «الجهالة» وظاهر التعليل ـ كلّها ـ آبية عن (١) إرادة مجرّد الظنّ.

نعم ، يمكن دعوى صدقه على الاطمئنان الخارج عن التحيّر والتزلزل بحيث لا يعدّ في العرف العمل به تعريضا للوقوع في الندم ؛ فحينئذ لا يبعد انجبار خبر الفاسق به.

لكن ، لو قلنا بظهور المنطوق في ذلك كان دالا على حجّيّة الظنّ

__________________

(١) في غير (ظ) و (م) : «من».

الاطمئنانيّ المذكور وإن لم يكن معه خبر فاسق ؛ نظرا إلى أنّ الظاهر من الآية أنّ خبر الفاسق وجوده كعدمه ، وأنّه لا بدّ من تبيّن الأمر من الخارج ، والعمل على ما يقتضيه التبيّن الخارجيّ.

نعم ، ربما يكون نفس الخبر من الأمارات التي يحصل من مجموعها التبيّن.

فالمقصود : الحذر عن الوقوع في مخالفة الواقع ، فكلّما حصل الأمن منه جاز العمل ، فلا فرق حينئذ بين خبر الفاسق المعتضد بالشهرة إذا حصل الاطمئنان بصدقه وبين الشهرة المجرّدة إذا حصل الاطمئنان بصدق مضمونها.

والحاصل : أنّ الآية تدلّ على أنّ العمل يعتبر فيه التبيّن من دون مدخليّة لوجود خبر الفاسق وعدمه ، سواء قلنا بأنّ المراد منه العلم أو الاطمئنان أو مطلق الظنّ ، حتّى أنّ من قال (١) بأنّ (٢) خبر الفاسق يكفي فيه مجرّد الظنّ بمضمونه ـ لحسن (٣) أو توثيق أو غيرهما من صفات الراوي ـ فلازمه القول بدلالة الآية على حجّيّة مطلق الظنّ بالحكم الشرعيّ وإن لم يكن معه خبر أصلا ، فافهم واغتنم واستقم.

هذا ، ولكن لا يخفى : أنّ حمل التبيّن على تحصيل مطلق الظنّ أو الاطمئنان يوجب خروج مورد المنطوق ، وهو الإخبار بالارتداد (٤).

__________________

(١) كالمحقّق القمّي في القوانين ١ : ٢٢٣.

(٢) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ل) : «إنّ».

(٣) كذا في (ظ) و (م) ، وفي غيرهما : «بحسن».

(٤) لم ترد «هذا ولكن ـ إلى ـ بالارتداد» في (ظ) ، (ل) و (م).