درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۰۶: خبر واحد ۲۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

[الثالث : الإجماع](١)

الاستدلال على حجيّة الخبر الواحد بالإجماع من وجوه :

وأمّا الإجماع ، فتقريره من وجوه :

أحدها : الإجماع على حجّيّة خبر الواحد في مقابل السيّد وأتباعه ، وطريق تحصيله أحد وجهين على سبيل منع الخلوّ :

١ ـ الإجماع في مقابل السيّد وأتباعة وتحصيله بطريقين

أحدهما : تتبّع أقوال العلماء من زماننا إلى زمان الشيخين فيحصل من ذلك : القطع بالاتّفاق الكاشف عن رضا الإمام عليه‌السلام بالحكم ، أو عن وجود نصّ معتبر في المسألة.

أ ـ تتبّع أقوال العلماء

ولا يعتنى بخلاف السيّد وأتباعه ؛ إمّا لكونهم معلومي (٢) النسب كما ذكره الشيخ في العدّة (٣) ، وإمّا للاطلاع على أنّ ذلك لشبهة حصلت لهم ، كما ذكره العلاّمة في النهاية (٤) ويمكن أن يستفاد من العدّة أيضا ، وإمّا لعدم اعتبار اتّفاق الكلّ في الإجماع على طريق المتأخّرين المبنيّ على الحدس.

ب ـ تتبّع الإجماعات المنقولة على الحجّية

والثاني : تتبّع الإجماعات المنقولة في ذلك : فمنها : ما حكي عن الشيخ قدس‌سره في العدّة في هذا المقام ، حيث قال :

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) في (ظ) و (ل) : «معلوم».

(٣) العدّة ١ : ١٢٨ ـ ١٢٩.

(٤) نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٩٦.

وأمّا ما اخترته من المذهب فهو : أنّ خبر الواحد إذا كان واردا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة وكان ذلك مرويّا عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله أو عن أحد الأئمّة عليهم‌السلام وكان ممّن لا يطعن في روايته ويكون سديدا في نقله ولم يكن هناك قرينة تدلّ على صحّة ما تضمّنه الخبر ـ ؛ لأنّه إذا كان هناك قرينة تدلّ على صحّة ذلك كان الاعتبار بالقرينة ، وكان ذلك موجبا للعلم كما تقدّمت القرائن ـ ، جاز العمل به.

دعوى الشيخ الطوسي الإجماع على حجيّة الخبر الواحد

والذي يدلّ على ذلك : إجماع الفرقة المحقّة ؛ فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم ودوّنوها في اصولهم ، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعون ، حتّى أنّ واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه ، سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف أو أصل مشهور وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه ، سكتوا وسلّموا الأمر وقبلوا قوله.

هذه عادتهم وسجيّتهم من عهد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ومن بعده من الأئمّة صلوات الله عليهم إلى زمان جعفر بن محمّد عليه‌السلام الذي انتشر عنه العلم وكثرت الرواية من جهته ، فلو لا أنّ العمل بهذه الأخبار كان جائزا لما أجمعوا على ذلك ؛ لأنّ إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط والسهو.

والذي يكشف عن ذلك : أنّه لمّا كان العمل بالقياس محظورا عندهم في الشريعة لم يعملوا به أصلا ، وإذا شذّ منهم واحد و (١) عمل به في بعض المسائل أو استعمله على وجه المحاجّة لخصمه وإن لم يكن اعتقاده ، ردّوا قوله وأنكروا عليه وتبرّءوا من قوله ، حتّى أنّهم يتركون

__________________

(١) «و» من (ه).

تصانيف من وصفناه ورواياته لمّا كان عاملا بالقياس ، فلو كان العمل بالخبر الواحد جرى بذلك المجرى لوجب فيه أيضا مثل ذلك ، وقد علمنا خلافه.

فإن قيل : كيف تدّعون إجماع الفرقة المحقّة على العمل بخبر الواحد ، والمعلوم من حالها أنّها لا ترى العمل بخبر الواحد ، كما أنّ المعلوم أنّها لا ترى العمل بالقياس ، فإن جاز ادّعاء أحدهما جاز ادّعاء الآخر.

قيل له : المعلوم من حالها الذي لا ينكر ، أنّهم لا يرون العمل بخبر الواحد الذي يرويه مخالفوهم في الاعتقاد ويختصّون بطريقه ، وأمّا (١) ما كان رواته منهم وطريقه أصحابهم ، فقد بيّنّا أنّ المعلوم خلاف ذلك ، وبيّنّا الفرق بين ذلك وبين القياس ، وأنّه لو كان معلوما حظر العمل بخبر الواحد لجرى مجرى العلم بحظر القياس ، وقد علم خلاف ذلك.

فإن قيل : أليس شيوخكم لا يزالون يناظرون خصومهم في أنّ خبر الواحد لا يعمل به ، ويدفعونهم عن صحّة ذلك ، حتّى أنّ منهم من يقول : لا يجوز ذلك عقلا ، ومنهم من يقول : لا يجوز ذلك لأنّ السمع لم يرد به ، وما رأينا أحدا تكلّم في جواز ذلك ، ولا صنّف فيه كتابا ، ولا أملى فيه مسألة ، فكيف أنتم تدّعون خلاف ذلك؟

قيل له : من أشرت إليهم من المنكرين لأخبار الآحاد ، إنّما تكلّموا من خالفهم في الاعتقاد ، ودفعوهم عن وجوب العمل بما يروونه من الأخبار المتضمّنة للأحكام التي يروون خلافها ، وذلك صحيح على

__________________

(١) كذا في (ص) و (م) ، وفي غيرهما والمصدر : «فأمّا».

ما قدّمناه ، ولم نجدهم اختلفوا في ما بينهم وأنكر بعضهم على بعض العمل بما يروونه ، إلاّ مسائل دلّ الدليل الموجب للعلم على صحّتها. فإذا خالفوهم فيها أنكروا عليهم ؛ لمكان الأدلّة الموجبة للعلم والأخبار المتواترة بخلافه (١).

على أنّ الذين اشير إليهم في السؤال أقوالهم متميّزة بين أقوال الطائفة المحقّة ، وقد علمنا أنّهم لم يكونوا أئمّة معصومين ، وكلّ قول قد علم قائله وعرف نسبه وتميّز من أقاويل سائر الفرقة المحقّة ، لم يعتدّ بذلك القول ؛ لأنّ قول الطائفة إنّما كان حجّة من حيث كان فيهم معصوم ، فإذا كان القول من غير معصوم علم أنّ قول المعصوم داخل في باقي الأقوال ، ووجب المصير إليه على ما بيّنته في الإجماع (٢) ، انتهى موضع الحاجة من كلامه.

ثمّ أورد على نفسه : بأنّ العقل إذا جوّز التعبّد بخبر الواحد ، والشرع ورد به ، فما الذي يحملكم على الفرق بين ما يرويه الطائفة المحقّة وبين ما يرويه أصحاب الحديث من العامّة؟

ثمّ أجاب عن ذلك : بأنّ خبر الواحد إذا كان دليلا شرعيّا فينبغي أن يستعمل بحسب ما قرّرته الشريعة ، والشارع يرى العمل بخبر طائفة خاصّة ، فليس لنا التعدّي إلى غيرها. على أنّ العدالة شرط في الخبر بلا خلاف ، ومن خالف الحقّ لم يثبت عدالته ، بل ثبت فسقه.

__________________

(١) في (ص) زيادة : «وأمّا من أحال ذلك عقلا فقد دللنا فيما مضى على بطلان قوله ، وبيّنا أنّ ذلك جائز ، فمن أنكره كان محجوجا بذلك».

(٢) العدّة ١ : ١٢٦ ـ ١٢٩.