درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۱۰: خبر واحد ۳۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الشيخ جامعا لشرائط الخبر المعتبر ، وفي خبر يراه الشيخ جامعا ولم يحصل تواتره للسيّد ؛ إذ ليس جميع ما دوّن في الكتب متواترا عند السيّد ولا جامعا لشرائط الحجّيّة عند الشيخ.

ثمّ إنّ إجماع الأصحاب الذي ادّعاه الشيخ على العمل بهذه الأخبار لا يصير قرينة لصحّتها بحيث تفيد العلم ، حتّى يكون حصول الإجماع للشيخ قرينة عامّة لجميع هذه الأخبار ؛ كيف وقد عرفت (١) إنكاره للقرائن حتّى لنفس المجمعين؟ ولو فرض كون الإجماع على العمل قرينة ، لكنّه غير حاصل في كلّ خبر بحيث يعلم أو يظنّ أنّ هذا الخبر بالخصوص وكذا ذاك وذاك ، ممّا اجتمع (٢) على العمل به ، كما لا يخفى.

بل المراد الإجماع على الرجوع إليها والعمل بها بعد حصول الوثوق من الراوي أو من القرائن ؛ ولذا استثنى القميّون كثيرا من رجال نوادر الحكمة (٣) مع كونه من الكتب المشهورة المجمع على الرجوع إليها ، واستثنى ابن الوليد (٤) من روايات العبيديّ ما يرويها عن يونس مع كونها في (٥) الكتب المشهورة.

والحاصل : أنّ معنى الإجماع على العمل بها عدم ردّها من جهة كونها أخبار آحاد ، لا الإجماع على العمل بكلّ خبر خبر منها.

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١٨.

(٢) في (ت) و (ص) : «أجمع».

(٣) كتاب نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمّي.

(٤) هو محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، أبو جعفر ، شيخ القمّيين وفقيههم.

(٥) في (ه) : «من».

ثمّ إنّ ما ذكره (١) ـ من تمكّن أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام من أخذ الاصول والفروع بطريق اليقين ـ دعوى ممنوعة واضحة المنع. وأقلّ ما يشهد عليها : ما علم بالعين (٢) والأثر : من اختلاف أصحابهم صلوات الله عليهم في الاصول والفروع ؛ ولذا شكا غير واحد من أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام إليهم اختلاف أصحابهم (٣) ، فأجابوهم تارة : بأنّهم عليهم‌السلام قد ألقوا الاختلاف بينهم حقنا لدمائهم ، كما في رواية حريز (٤) وزرارة (٥) وأبي أيّوب الخزّاز (٦) ، واخرى أجابوهم : بأنّ ذلك من جهة الكذّابين ، كما في رواية الفيض بن المختار ، قال :

«قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : جعلني الله فداك ، ما هذا الاختلاف الذي بين شيعتكم؟ قال : وأيّ الاختلاف يا فيض؟ فقلت له : إنّي أجلس في حلقهم بالكوفة وأكاد أشكّ في اختلافهم في حديثهم ، حتّى أرجع إلى المفضّل بن عمر ، فيوقفني من ذلك على ما تستريح به نفسي ، فقال عليه‌السلام : أجل (٧) ، كما ذكرت يا فيض ، إنّ الناس قد اولعوا بالكذب علينا ، كأنّ الله افترض عليهم ولا يريد منهم غيره ، إنّي احدّث أحدهم

__________________

(١) أي : الشيخ حسين الكركي العاملي في كلامه المتقدّم في الصفحة ٣٢٢.

(٢) في (ظ) و (م) بدل «بالعين» : «باليقين».

(٣) في غير (ص) : «أصحابه».

(٤) علل الشرائع ٢ : ٣٩٥ ، الحديث ١٤.

(٥) نفس المصدر ، الحديث ١٦.

(٦) نفس المصدر ، الحديث ١٥.

(٧) في المصدر زيادة : «هو».

بحديث ، فلا يخرج من عندي حتّى يتأوّله (١) على غير تأويله ؛ وذلك لأنّهم لا يطلبون بحديثنا وبحبّنا ما عند الله تعالى ، وكلّ يحبّ أن يدعى رأسا» (٢). وقريب منها : رواية داود بن سرحان (٣).

واستثناء القميّين كثيرا من رجال نوادر الحكمة معروف (٤) ، وقصّة ابن أبي العوجاء ـ أنّه قال عند قتله : قد دسست في كتبكم أربعة آلاف حديث ـ مذكورة في الرجال (٥). وكذا ما ذكره يونس بن عبد الرحمن : من أنّه أخذ أحاديث كثيرة من أصحاب الصادقين عليهما‌السلام ، ثمّ عرضها على أبي الحسن الرضا عليه‌السلام ، فأنكر منها أحاديث كثيرة (٦) ، إلى غير ذلك ممّا يشهد بخلاف ما ذكره.

وأمّا ما ذكره (٧) : من عدم عمل الأخباريّين في عقائدهم إلاّ على الأخبار المتواترة والآحاد العلميّة ، ففيه :

أنّ الأظهر في مذهب الأخباريّين ما ذكره العلاّمة (٨) : من أنّ الأخباريّين لم يعوّلوا في اصول الدين وفروعه إلاّ على أخبار الآحاد.

__________________

(١) في (ظ) : «يؤوّله».

(٢) اختيار معرفة الرجال ١ : ٣٤٧ ، الحديث ٢١٦.

(٣) نفس المصدر ١ : ٣٩٩ ، الحديث ٢٨٧.

(٤) كما تقدّم في الصفحة ٣٢٤.

(٥) انظر أمالي السيّد المرتضى ١ : ٩٥.

(٦) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٤٨٩ ـ ٤٩٠.

(٧) أي : الشيخ الكركي العاملي في كلامه المتقدّم في الصفحة ٣٢٢.

(٨) نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٩٦.

ولعلّهم المعنيّون ممّا ذكره الشيخ في كلامه السابق (١) في المقلّدة (٢) : أنّهم إذا سألوا عن التوحيد وصفات الأئمّة و (٣) النبوّة ، قالوا : روينا كذا ، وأنّهم يروون في ذلك الأخبار.

وكيف كان : فدعوى دلالة كلام الشيخ في العدّة على موافقة السيّد في غاية الفساد ، لكنّها غير بعيدة ممّن يدّعي قطعيّة صدور أخبار الكتب الأربعة ؛ لأنّه إذا ادّعى القطع لنفسه بصدور الأخبار التي أودعها الشيخ في كتابيه ، فكيف يرضى للشيخ ومن تقدّم عليه من المحدّثين أن يعملوا بالأخبار المجرّدة عن القرينة؟

عذر صاحب المعالم

وأمّا صاحب المعالم قدس‌سره ، فعذره أنّه لم يحضره عدّة الشيخ حين كتابة هذا الموضع ، كما حكي عن بعض حواشيه (٤) واعترف به هذا الرجل (٥).

وأمّا المحقّق قدس‌سره ، فليس في كلامه المتقدّم (٦) منع دلالة كلام الشيخ على حجّيّة خبر الواحد المجرّد مطلقا ، وإنّما منع من دلالته على الإيجاب الكلّيّ وهو : أنّ كلّ خبر يرويه عدل إماميّ يعمل به ، وخصّ مدلوله

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١٧.

(٢) في (ت) و (ه) زيادة : «من».

(٣) في غير (ه) : «أو».

(٤) ذكره المولى صالح المازندراني في حاشيته على المعالم ، انظر هامش المعالم (الطبعة الحجرية) : ١٩٧.

(٥) أي الشيخ حسين الكركي العاملي.

(٦) في الصفحة ٣٢٠.

بهذه الأخبار التي دوّنها الأصحاب ، وجعله موافقا لما اختاره في المعتبر : من التفصيل في أخبار الآحاد المجرّدة بعد ذكر الأقوال فيها ، وهو : أنّ ما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحّته عمل به ، وما أعرض الأصحاب عنه أو شذّ يجب اطّراحه (١) ، انتهى.

والإنصاف : أنّ ما فهمه العلاّمة من إطلاق قول الشيخ بحجّية خبر العدل الإماميّ أظهر ممّا فهمه المحقّق من التقييد ؛ لأنّ الظاهر أنّ الشيخ إنّما يتمسّك بالإجماع على العمل بالروايات المدونة في كتب الأصحاب على حجّية مطلق خبر العدل الإماميّ ، بناء منه على أنّ الوجه في عملهم بها كونها أخبار عدول ، وكذا ما ادّعاه من الإجماع على العمل بروايات الطوائف الخاصّة من غير الإماميّة ؛ وإلاّ فلم يأخذه في عنوان مختاره ، ولم يشترط كون الخبر ممّا رواه الأصحاب وعملوا به ، فراجع كلام الشيخ وتأمّله ، والله العالم وهو الهادي إلى الصواب.

التدافع بين دعوى السيّد ودعوى الشيخ

ثمّ إنّه لا يبعد وقوع مثل هذا التدافع بين دعوى السيّد ودعوى الشيخ ـ مع كونهما معاصرين خبيرين بمذهب الأصحاب ـ في العمل بخبر الواحد ؛ فكم من مسألة فرعيّة وقع الاختلاف بينهما في دعوى الإجماع فيها ، مع أنّ المسألة الفرعيّة أولى بعدم خفاء مذهب الأصحاب فيها عليهما ؛ لأنّ المسائل الفرعيّة معنونة في الكتب مفتى بها غالبا بالخصوص ـ نعم قد يتّفق دعوى الإجماع بملاحظة قواعد الأصحاب ـ والمسائل الاصوليّة لم تكن معنونة في كتبهم ، إنّما المعلوم من حالهم أنّهم عملوا بأخبار وطرحوا أخبارا.

__________________

(١) المعتبر ١ : ٢٩.