درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۱۲: خبر واحد ۳۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الآحاد لا يعقل صرفه إلى روايات مخالفيهم ؛ لأنّ اشتراط العدالة عندهم وانتفاءها في غيرهم كاف في الإضراب عنها ، فلا وجه للمبالغة في نفي العمل بخبر يروونه (١) ، انتهى.

وفيه : أنّه يمكن أن يكون إظهار هذا المذهب والتجنّن به في مقام لا يمكنهم التصريح بفسق الراوي ، فاحتالوا في ذلك بأنّا لا نعمل إلاّ بما حصل لنا القطع بصدقه بالتواتر أو (٢) بالقرائن ، ولا دليل عندنا على العمل بالخبر الظنّي وإن كان راويه غير مطعون ، وفي عبارة الشيخ ـ المتقدّمة (٣) ـ إشارة إلى ذلك ؛ حيث خصّ إنكار الشيوخ للعمل بالخبر المجرّد بصورة المناظرة مع خصومهم.

الجمع بين دعوى السيّد والشيخ قدس‌سرهما

والحاصل : أنّ الإجماع الذي ادّعاه السيّد قدس‌سره قوليّ ، وما ادّعاه الشيخ قدس‌سره إجماع عمليّ ، والجمع بينهما يمكن بحمل عملهم على ما احتفّ بالقرينة عندهم ، وبحمل قولهم على ما ذكرنا من الاحتمال في دفع الروايات الواردة فيما لا يرضونه من المطالب ، والحمل الثاني مخالف لظاهر القول ، والحمل الأوّل ليس مخالفا لظاهر العمل ؛ لأنّ العمل مجمل من أجل (٤) الجهة التي وقع عليها.

عدم صحّة هذا الجمع

إلاّ أنّ الإنصاف : أنّ القرائن تشهد بفساد الحمل الأوّل كما سيأتي (٥) ،

__________________

(١) حكى المولى صالح المازندراني هذه الحاشية في حاشيته على المعالم ، انظر هامش المعالم (الطبعة الحجريّة) : ١٩٩.

(٢) في (ت) ، (ل) و (ه) : «و».

(٣) في الصفحة ٢١٣.

(٤) لم ترد «أجل» في (ل).

(٥) انظر الصفحة ٣٣١ ـ ٣٣٢.

فلا بدّ من حمل قول من حكى عنهم السيّد المنع ، إمّا على ما ذكرنا : من إرادة دفع أخبار المخالفين التي لا يمكنهم ردّها بفسق الراوي ، وإمّا على ما ذكره الشيخ : من كونهم جماعة معلومي النسب لا يقدح مخالفتهم بالإجماع.

الجمع بوجه آخر

ويمكن الجمع بينهما بوجه آخر (١) ، وهو : أنّ مراد السيّد قدس‌سره من العلم الذي ادّعاه في صدق الأخبار هو مجرّد الاطمئنان ؛ فإنّ المحكيّ عنه قدس‌سره في تعريف العلم : أنّه ما اقتضى سكون النفس (٢) ، وهو الذي ادّعى بعض الأخباريّين (٣) : أنّ مرادنا بالعلم بصدور الأخبار هو هذا المعنى ، لا اليقين الذي لا يقبل الاحتمال رأسا.

فمراد الشيخ من تجرّد هذه الأخبار عن القرائن : تجرّدها عن القرائن الأربع التي ذكرها أوّلا ، وهي موافقة الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو دليل العقل ، ومراد السيّد من القرائن التي ادّعى في عبارته المتقدّمة (٤) احتفاف أكثر الأخبار بها : هي الامور (٥) الموجبة للوثوق بالراوي أو بالرواية ، بمعنى سكون النفس بهما وركونها إليهما ، وحينئذ فيحمل إنكار الإماميّة للعمل بخبر الواحد على إنكارهم للعمل به تعبّدا ، أو (٦) لمجرّد حصول رجحان بصدقه على ما يقوله المخالفون.

__________________

(١) في (ر) و (ص) ونسخة بدل (ت) بدل «آخر» : «أحسن».

(٢) الذريعة ١ : ٢٠.

(٣) وهو المحدّث البحراني في الدرر النجفيّة : ٦٣.

(٤) في الصفحة ٣٢٣.

(٥) في (ت) ، (ص) و (ه) زيادة : «الخارجيّة» ، وفي (ظ) زيادة : «الخارجة».

(٦) في (م) : «و».

والإنصاف : أنّه لم يتّضح من كلام الشيخ دعوى الإجماع على أزيد من الخبر الموجب لسكون النفس ولو بمجرّد وثاقة الراوي وكونه سديدا في نقله لم يطعن في روايته.

هذا الوجه أحسن الوجوه

ولعلّ هذا الوجه أحسن وجوه الجمع بين كلامي (١) الشيخ والسيّد قدس‌سرهما ، خصوصا مع ملاحظة تصريح السيّد قدس‌سره في كلامه بأنّ أكثر الأخبار متواترة أو محفوفة (٢) ، وتصريح الشيخ قدس‌سره في كلامه المتقدّم (٣) بإنكار ذلك.

وممّن نقل الإجماع على حجّيّة أخبار الآحاد : السيّد الجليل رضيّ الدين بن طاوس ، حيث قال في جملة كلام له يطعن فيه على السيّد قدس‌سره :

دعوى ابن طاووس الإجماع على حجيّة الخبر الواحد

ولا يكاد تعجّبي ينقضي كيف اشتبه عليه أنّ الشيعة تعمل (٤) بأخبار الآحاد في الامور الشرعيّة؟ ومن اطّلع على التواريخ والأخبار وشاهد عمل ذوي الاعتبار ، وجد المسلمين والمرتضى (٥) وعلماء الشيعة الماضين (٦) عاملين بأخبار الآحاد بغير شبهة عند العارفين ، كما ذكر محمّد ابن الحسن الطوسي في كتاب العدّة ، وغيره من المشغولين بتصفّح أخبار

__________________

(١) في (ل) : «كلام».

(٢) في (ت) و (ه) زيادة : «بالقرائن».

(٣) في الصفحة ٣١٨.

(٤) في (ر) و (ص) : «لا تعمل».

(٥) شطب على «والمرتضى» في (ت).

(٦) في (ر) : «والماضين».

الشيعة وغيرهم من المصنّفين (١) ، انتهى.

وفيه دلالة على : أنّ غير الشيخ من العلماء أيضا ادّعى الإجماع على عمل الشيعة بأخبار الآحاد.

دعوى العلاّمة الإجماع أيضاً

وممّن نقل الإجماع أيضا : العلاّمة رحمه‌الله في النهاية حيث قال : إنّ الأخباريّين منهم لو يعوّلوا في اصول الدين وفروعه إلاّ على أخبار الآحاد ، والاصوليّين منهم ـ كأبي جعفر الطوسيّ وغيره ـ وافقوا (٢) على قبول خبر الواحد ، ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه ؛ لشبهة حصلت لهم (٣) ، انتهى.

دعوى المحدّث المجلسي الإجماع كذلك

وممّن ادّعاه أيضا : المحدّث المجلسيّ قدس‌سره في بعض رسائله ، حيث ادّعى تواتر الأخبار وعمل الشيعة في جميع الأعصار على العمل بخبر الواحد (٤).

ثمّ إنّ مراد العلاّمة قدس‌سره من الأخباريّين ، يمكن أن يكون مثل الصدوق (٥) وشيخه قدس‌سرهما (٦) ؛ حيث أثبتا السهو للنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام ؛ لبعض أخبار الآحاد ، وزعما أنّ نفيه عنهم عليهم‌السلام أوّل درجة في الغلوّ ،

__________________

(١) لم نعثر عليه ، ولا على من حكاه.

(٢) كذا في (ت) و (ه) والمصدر ، نعم «وغيره» من المصدر فقط ، وفي غيرها بدل «وغيره ـ إلى ـ الواحد» : «عمل بها».

(٣) نهاية الوصول (مخطوط) : ٢٩٦.

(٤) انظر البحار ٢ : ٢٤٥ ، ذيل الحديث ٥٥.

(٥) انظر الفقيه ١ : ٣٥٩ ـ ٣٦٠ ، ذيل الحديث ١٠٣١.

(٦) وهو محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، انظر نفس المصدر.

ويكون ما تقدّم في كلام الشيخ (١) من المقلّدة الذين إذا سألوا عن التوحيد وصفات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والإمام عليه‌السلام قالوا : روينا كذا ، ورووا في ذلك الأخبار. وقد نسب الشيخ قدس‌سره ـ في هذا المقام من العدّة ـ العمل بأخبار الآحاد في اصول الدين إلى بعض غفلة أصحاب الحديث.

ثمّ إنّه يمكن أن يكون الشبهة التي ادّعى العلاّمة قدس‌سره حصولها للسيّد وأتباعه ، هو : زعم الأخبار التي عمل بها الأصحاب ودوّنوها في كتبهم محفوفة عندهم بالقرائن ، أو أنّ من قال من شيوخهم بعدم حجّيّة أخبار الآحاد أراد بها مطلق الأخبار ، حتّى الأخبار الواردة من طرق أصحابنا مع وثاقة الراوي ، أو أنّ مخالفته لأصحابنا في هذه المسألة لأجل شبهة حصلت له ، فخالف المتّفق عليه بين الأصحاب.

ثمّ إنّ دعوى الإجماع (٢) على العمل بأخبار الآحاد ، وإن لم نطّلع (٣) عليها صريحة في كلام غير الشيخ وابن طاوس والعلاّمة والمجلسي قدّست أسرارهم ، إلاّ أنّ هذه الدعوى منهم مقرونة بقرائن تدلّ على صحّتها وصدقها ، فخرج عن الإجماع المنقول بخبر الواحد المجرّد عن القرينة ، ويدخل في المحفوف بالقرينة ؛ وبهذا الاعتبار يتمسّك به (٤) على حجّيّة الأخبار.

اعتراف السيّد بعمل الطائفة بأخبار الآحاد :

بل السيّد قدس‌سره قد اعترف في بعض كلامه المحكيّ ـ كما يظهر منه ـ

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١٧.

(٢) في غير (ر) زيادة : «صريحا».

(٣) في (ظ) ، (ل) و (م) : «لم يطّلع».

(٤) كذا في (ت) ، وفي (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (م) و (ه) : «بها».