درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۱۴: خبر واحد ۳۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

كلامي السيّد والشيخ قدس‌سرهما (١).

٤ - ما ذكره المحقّق قدس‌سره

ومنها : ما ذكره المحقّق في المعتبر في مسألة خبر الواحد ، حيث قال :

أفرط الحشويّة في العمل بخبر الواحد حتّى انقادوا لكلّ خبر ، وما فطنوا لما تحته من التناقض ؛ فإنّ من جملة الأخبار قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ستكثر بعدي القالة عليّ» ، وقول الصادق عليه‌السلام : «إنّ لكلّ رجل منّا رجلا يكذب عليه» (٢).

واقتصر بعضهم من هذا الإفراط ، فقال : كلّ سليم السند يعمل به. وما علم أنّ الكاذب قد يصدق ، ولم يتنبّه على أنّ ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب ؛ إذ ما من مصنّف إلاّ وهو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل.

وافرط آخرون في طريق ردّ الخبر حتّى أحالوا استعماله عقلا. واقتصر آخرون ، فلم يروا العقل مانعا ، لكنّ الشرع لم يأذن في العمل به.

وكلّ هذه الأقوال منحرفة عن السنن ، والتوسّط أقرب ، فما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحّته عمل به ، وما أعرض عنه الأصحاب أو شذّ يجب اطّراحه (٣) ، انتهى.

وهو ـ كما ترى ـ ينادي : بأنّ علماء الشيعة قد يعملون بخبر

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٣١.

(٢) تقدّم الحديثان في الصفحة ٣٠٨.

(٣) المعتبر ١ : ٢٩.

المجروح كما يعملون بخبر العدل ، وليس المراد عملهم بخبر المجروح والعدل إذا أفاد العلم بصدقه ؛ لأنّ كلامه في الخبر الغير العلميّ ، وهو الذي أحال قوم استعماله عقلا ومنعه آخرون شرعا.

٥ - ما ذكره الشهيد والمفيد الثاني

ومنها : ما ذكره الشهيد في الذكرى (١) والمفيد الثاني ولد شيخنا الطوسي (٢) : من أنّ الأصحاب قد عملوا بشرائع الشيخ أبي الحسن عليّ ابن بابويه عند إعواز النصوص ؛ تنزيلا لفتاواه منزلة رواياته. ولو لا عمل الأصحاب برواياته الغير العلميّة لم يكن وجه في العمل بتلك الفتاوى عند عدم رواياته.

٦ - ما ذكر المحدّث المجلسي

ومنها : ما ذكره المجلسي في البحار ـ في تأويل بعض الأخبار التي تقدّم ذكرها في دليل السيّد وأتباعه ممّا دلّ على المنع من العمل بالخبر الغير المعلوم الصدور ـ : من أنّ عمل أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام بالخبر الغير العلميّ متواتر بالمعنى (٣).

ولا يخفى : أنّ شهادة مثل هذا المحدّث الخبير الغوّاص في بحار أنوار أخبار الأئمّة الأطهار بعمل أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام بالخبر الغير العلميّ. ودعواه حصول القطع له بذلك من جهة التواتر ، لا يقصر عن دعوى الشيخ والعلاّمة الإجماع على العمل بأخبار الآحاد ، وسيأتي أنّ المحدّث الحرّ العامليّ في الفصول المهمّة ادّعى أيضا تواتر الأخبار بذلك (٤).

__________________

(١) الذكرى ١ : ٥١.

(٢) كتبه قدس‌سره غير مطبوعة ، ولم نعثر على مخطوطها.

(٣) البحار ٢ : ٢٤٥ ، ذيل الحديث ٥٥.

(٤) لم نعثر عليه في ما سيأتي ، نعم تقدّم ذلك عن الوسائل ، راجع الصفحة ٣٠٩.

ومنها : ما ذكره شيخنا البهائيّ في مشرق الشمسين : من أنّ الصحيح عند القدماء ما كان محفوفا بما يوجب ركون النفس إليه. وذكر فيما يوجب الوثوق امورا لا تفيد إلاّ الظنّ (١).

ومعلوم أنّ الصحيح عندهم هو المعمول به ، وليس مثل الصحيح عند المتأخّرين في أنّه قد لا يعمل به لإعراض الأصحاب عنه أو لخلل آخر ؛ فالمراد أنّ المقبول عندهم ما تركن إليه النفس وتثق به.

هذا ما حضرني من كلمات الأصحاب ، الظاهرة في دعوى الاتّفاق على العمل بخبر الواحد الغير العلميّ في الجملة ، المؤيّدة لما ادّعاه الشيخ والعلاّمة.

ذهاب معظم الأصحاب إلى حجيّة الخبر الواحد

وإذا ضممت إلى ذلك كلّه ذهاب معظم الأصحاب بل كلّهم ـ عدا السيّد وأتباعه ـ من زمان الصدوق إلى زماننا هذا ، إلى حجّيّة الخبر الغير العلميّ ، حتّى أنّ الصدوق تابع في التصحيح والردّ لشيخه ابن الوليد ، وأنّ ما صحّحه فهو صحيح وأنّ ما ردّه فهو مردود ـ كما صرّح به في صلاة الغدير (٢) ، وفي الخبر الذي رواه في العيون عن كتاب الرحمة (٣) ـ ، ثمّ ضممت إلى ذلك ظهور عبارة أهل الرجال في تراجم كثير من الرواة في كون العمل بالخبر الغير العلميّ مسلّما عندهم ، مثل قولهم : فلان لا يعتمد على ما ينفرد به ، وفلان مسكون في روايته ، وفلان صحيح الحديث ، والطعن في بعض بأنّه يعتمد الضعفاء والمراسيل ،

__________________

(١) مشرق الشمسين (رسائل الشيخ البهائي) : ٢٦٩.

(٢) الفقيه ٢ : ٩٠ ، ذيل الحديث ١٨١٧.

(٣) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢٠ ـ ٢٣ ، الحديث ٤٥.

و (١) غير ذلك ، وضممت إلى ذلك ما يظهر من بعض أسئلة الروايات السابقة : من أنّ العمل بالخبر الغير العلميّ كان مفروغا عنه عند الرواة ، تعلم علما يقينيّا (٢) صدق ما ادّعاه الشيخ من إجماع الطائفة (٣).

والإنصاف : أنّه لم يحصل في مسألة يدّعى فيها الإجماع من الإجماعات المنقولة والشهرة العظيمة (٤) والأمارات الكثيرة الدالّة على العمل ، ما حصل في هذه المسألة ، فالشاكّ في تحقّق الإجماع في هذه المسألة لا أراه يحصل له الإجماع في مسألة من المسائل الفقهيّة ، اللهمّ إلاّ في ضروريّات المذهب.

القدر المتيقّن هو الخبر المفيد للاطمئنان

لكنّ الإنصاف : أنّ المتيقّن من هذا كلّه الخبر المفيد للاطمئنان ، لا مطلق الظنّ. ولعلّه مراد السيّد من العلم كما أشرنا إليه آنفا (٥). بل ظاهر كلام بعض احتمال أن يكون مراد السيّد قدس‌سره من خبر الواحد غير مراد الشيخ قدس‌سره.

__________________

(١) في (ر) و (ص) بدل «و» : «إلى».

(٢) في غير (ص) ، (ظ) و (م) : «يقينا».

(٣) وردت هنا في (ر) زيادة ، وهي : «وحكى السيّد المحدّث الجزائري عمّن يثق به : أنّه قد زار السيّد صاحب المدارك المشهد الغروي ، فزاره العلماء وزارهم إلاّ المولى عبد الله التستري ، فقيل للسيّد في ذلك ، فاعتذر بأنّه لا يرى العمل بأخبار الآحاد فهو مبدع ، ونقل في ذلك رواية مضمونها : أنّ من زار مبدعا فقد خرّب الدين.

وهذه حكاية عجيبة لا بدّ من توجيهها ، كما لا يخفى على من اطّلع على طريقة المولى المشار إليه ومسلكه في الفقه ، فراجع».

(٤) في (ت) و (ر) بدل «العظيمة» : «القطعيّة».

(٥) راجع الصفحة ٣٣١.

قال الفاضل القزويني في لسان الخواصّ ـ على ما حكي عنه ـ : إنّ هذه الكلمة أعني خبر الواحد ـ على ما يستفاد من تتبّع كلماتهم ـ تستعمل في ثلاثة معان :

كلام الفاضل القزويني في تفسير «الخبر الواحد»

أحدها : الشاذّ النادر الذي لم يعمل به أحد ، أو ندر من يعمل به ، ويقابله ما عمل به كثيرون.

الثاني : ما يقابل المأخوذ من الثّقات المحفوظ في الاصول المعمولة عند جميع خواصّ الطائفة ، فيشمل الأوّل ومقابله.

الثالث : ما يقابل المتواتر القطعيّ الصدور ، وهذا يشمل الأوّلين وما يقابلهما.

ثمّ ذكر ما حاصله : أنّ ما نقل إجماع الشيعة على إنكاره هو الأوّل ، وما انفرد السيّد قدس‌سره بردّه هو الثاني ، وأمّا الثالث ، فلم يتحقّق من أحد نفيه على الإطلاق (١) ، انتهى.

وهو كلام حسن. وأحسن منه ما قدمناه (٢) : من أنّ مراد السيّد من العلم ما يشمل الظنّ الاطمئنانيّ ، كما يشهد به التفسير المحكيّ عنه للعلم ، بأنّه : ما اقتضى سكون النفس (٣) ، والله العالم.

٢ - الإجماع حتّى من السيّد وأتباعه على العمل بخبر الواحد

الثاني من وجوه تقرير الإجماع :

أن يدّعى الإجماع حتّى من السيّد وأتباعه على وجوب العمل

__________________

(١) لسان الخواصّ (مخطوط) : ٤٢.

(٢) راجع الصفحة ٣٣١.

(٣) الذريعة ١ : ٢٠.