درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۱۵: خبر واحد ۳۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

قال الفاضل القزويني في لسان الخواصّ ـ على ما حكي عنه ـ : إنّ هذه الكلمة أعني خبر الواحد ـ على ما يستفاد من تتبّع كلماتهم ـ تستعمل في ثلاثة معان :

كلام الفاضل القزويني في تفسير «الخبر الواحد»

أحدها : الشاذّ النادر الذي لم يعمل به أحد ، أو ندر من يعمل به ، ويقابله ما عمل به كثيرون.

الثاني : ما يقابل المأخوذ من الثّقات المحفوظ في الاصول المعمولة عند جميع خواصّ الطائفة ، فيشمل الأوّل ومقابله.

الثالث : ما يقابل المتواتر القطعيّ الصدور ، وهذا يشمل الأوّلين وما يقابلهما.

ثمّ ذكر ما حاصله : أنّ ما نقل إجماع الشيعة على إنكاره هو الأوّل ، وما انفرد السيّد قدس‌سره بردّه هو الثاني ، وأمّا الثالث ، فلم يتحقّق من أحد نفيه على الإطلاق (١) ، انتهى.

وهو كلام حسن. وأحسن منه ما قدمناه (٢) : من أنّ مراد السيّد من العلم ما يشمل الظنّ الاطمئنانيّ ، كما يشهد به التفسير المحكيّ عنه للعلم ، بأنّه : ما اقتضى سكون النفس (٣) ، والله العالم.

٢ - الإجماع حتّى من السيّد وأتباعه على العمل بخبر الواحد

الثاني من وجوه تقرير الإجماع :

أن يدّعى الإجماع حتّى من السيّد وأتباعه على وجوب العمل

__________________

(١) لسان الخواصّ (مخطوط) : ٤٢.

(٢) راجع الصفحة ٣٣١.

(٣) الذريعة ١ : ٢٠.

بالخبر الغير العلميّ في زماننا هذا وشبهه ممّا انسدّ فيه باب القرائن المفيدة للعلم بصدق الخبر ؛ فإنّ الظاهر أنّ السيّد إنّما منع من ذلك لعدم الحاجة إلى خبر الواحد المجرّد ، كما يظهر من كلامه المتضمّن للاعتراض على نفسه بقوله :

كلام السيّد المرتضى قدس‌سره

فإن قلت : إذا سددتم طريق العمل بأخبار الآحاد فعلى أيّ شيء تعوّلون في الفقه كلّه؟

فأجاب بما حاصله : أنّ معظم الفقه يعلم بالضرورة والإجماع والأخبار العلميّة ، وما يبقى من المسائل الخلافيّة يرجع فيها إلى التخيير (١).

وقد اعترف السيّد رحمه‌الله في بعض كلامه ـ على ما في المعالم (٢) ـ بل وكذا الحلّي في بعض كلامه (٣) ـ على ما هو ببالي ـ : بأنّ العمل بالظنّ متعيّن فيما لا سبيل فيه إلى العلم.

٣ - استقرار سيرة المسلمين على العمل بخبر الواحد

الثالث من وجوه تقرير الإجماع :

استقرار سيرة المسلمين طرّا على استفادة الأحكام الشرعيّة من أخبار الثقات المتوسّطة بينهم وبين الإمام عليه‌السلام أو المجتهد.

أترى : أنّ المقلّدين يتوقّفون في العمل بما يخبرهم الثقة عن المجتهد ، أو الزوجة تتوقّف فيما يحكيه زوجها عن المجتهد في مسائل حيضها وما

__________________

(١) رسائل الشريف المرتضى ٣ : ٣١٢ ـ ٣١٣ ، وراجع الصفحة ٣٢٩.

(٢) المعالم : ١٩٦ ـ ١٩٧ ، وانظر رسائل الشريف المرتضى ١ : ٢١٠.

(٣) انظر السرائر ١ : ٤٦ و ٤٩.

يتعلّق بها إلى أن يعلموا من المجتهد تجويز العمل بالخبر الغير العلميّ؟ وهذا ممّا لا شكّ فيه.

ودعوى : حصول القطع لهم في جميع الموارد ، بعيدة عن الإنصاف. نعم ، المتيقّن من ذلك صورة حصول الاطمئنان بحيث لا يعتنى باحتمال الخلاف.

وقد حكي اعتراض السيّد قدس‌سره على نفسه (١) : بأنّه لا خلاف بين الامّة في أنّ من وكلّ وكيلا أو استناب صديقا في ابتياع أمة أو عقد على امرأة في بلده أو في بلاد نائية ، فحمل إليه الجارية وزفّ إليه المرأة ، وأخبره أنّه أزاح العلّة في ثمن الجارية ومهر المرأة ، وأنّه اشترى هذه وعقد على تلك : أنّ له وطأها والانتفاع بها في كلّ ما يسوغ للمالك والزوج. وهذه سبيله مع زوجته وأمته إذا أخبرته بطهرها وحيضها ، ويرد الكتاب على المرأة بطلاق زوجها أو بموته فتتزوّج ، وعلى الرجل بموت امرأته فيتزوّج اختها.

وكذا لا خلاف بين الامّة في أنّ للعالم أن يفتي وللعاميّ أن يأخذ منه ، مع عدم علم أنّ ما أفتى به من شريعة الإسلام وأنّه مذهبه.

فأجاب بما حاصله : أنّه إن كان الغرض من هذا الردّ على من أحال التعبّد بخبر الواحد ، فمتوجّه ولا محيص (٢). وإن كان الغرض الاحتجاج به على وجوب العمل بأخبار الآحاد في التحليل والتحريم ، فهذه مقامات ثبت فيها التعبّد بأخبار الآحاد من طرق علميّة من

__________________

(١) لم ترد في (ظ) و (م) : «على نفسه».

(٢) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «فلا محيص».

إجماع وغيره على أنحاء مختلفة ، في بعضها لا يقبل إلاّ إخبار أربعة ، وفي بعضها لا يقبل إلاّ عدلان ، وفي بعضها يكفي قول العدل الواحد (١) ، وفي بعضها يكفي خبر الفاسق والذمّي ، كما في الوكيل ومبتاع (٢) الأمة والزوجة في الحيض والطهر. وكيف يقاس على ذلك رواية الأخبار في الأحكام (٣).

أقول : المعترض حيث ادّعى الإجماع على العمل في الموارد المذكورة ، فقد لقّن الخصم طريق إلزامه والردّ عليه بأنّ هذه الموارد للإجماع ، ولو ادّعى استقرار سيرة المسلمين على العمل في الموارد المذكورة وإن لم يطّلعوا على كون ذلك إجماعيّا عند العلماء ، كان أبعد عن الردّ ، فتأمّل.

٤ ـ استقرار طريقة العقلاء على العمل بخبر الواحد

الرابع :

استقرار طريقة العقلاء طرّا على الرجوع إلى خبر الثقة في امورهم العاديّة ، ومنها الأوامر الجارية من الموالي إلى العبيد.

فنقول : إنّ الشارع إن اكتفى بذلك منهم في الأحكام الشرعيّة فهو ، وإلاّ وجب عليه ردعهم وتنبيههم على بطلان سلوك هذا الطريق في الأحكام الشرعيّة ، كما ردع في مواضع خاصّة ، وحيث لم يردع علم منه رضاه بذلك ؛ لأنّ اللازم في باب الإطاعة والمعصية الأخذ بما يعدّ

__________________

(١) في (ظ) ، (ل) و (م) بدل «قول العدل الواحد» : «العلم».

(٢) لم ترد في (ر) و (ص) : «مبتاع».

(٣) رسائل الشريف المرتضى ١ : ٣٧ ـ ٤١.