درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۲۱: خبر واحد ۴۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الوجه الثالث : ما ذكره صاحب هداية المسترشدين

الثالث

ما ذكره بعض المحقّقين من المعاصرين (١) ـ في حاشيته على المعالم ـ لإثبات حجّيّة الظنّ الحاصل من الخبر لا مطلقا ، وقد لخّصناه لطوله ، وملخّصه :

أنّ وجوب العمل بالكتاب والسنّة ثابت بالإجماع ، بل الضرورة والأخبار المتواترة ، وبقاء هذا التكليف أيضا بالنسبة إلينا ثابت بالأدلّة المذكورة ، وحينئذ : فإن أمكن الرجوع إليهما على وجه يحصل العلم بهما بحكم أو الظنّ الخاصّ به فهو ، وإلاّ فالمتّبع هو الرجوع إليهما على وجه يحصل الظنّ منهما (٢).

هذا حاصله ، وقد أطال قدس‌سره في النقض والإبرام بذكر الإيرادات والأجوبة على هذا المطلب.

المناقشة فيما أفاده صاحب الهداية

ويرد عليه : أنّ هذا الدليل بظاهره عبارة اخرى عن دليل الانسداد الذي ذكروه لحجّيّة الظنّ في الجملة أو مطلقا ؛ وذلك لأنّ المراد بالسنّة هو (٣) : قول الحجّة أو فعله أو تقريره ، فإذا وجب علينا الرجوع إلى مدلول (٤) الكتاب والسنّة ولم نتمكّن من الرجوع إلى ما علم أنّه مدلول الكتاب أو السنّة ، تعيّن الرجوع ـ باعتراف المستدلّ ـ إلى ما

__________________

(١) وهو الشيخ محمد تقي الأصفهاني ، صاحب هداية المسترشدين.

(٢) هداية المسترشدين : ٣٩٧ ، الوجه السادس.

(٣) في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) و (م) : «هي».

(٤) لم ترد «مدلول» في (ت) و (ظ).

يظنّ (١) كونه مدلولا لأحدهما ، فإذا ظننّا أنّ مؤدّى الشهرة أو معقد الإجماع المنقول مدلول للكتاب أو لقول الحجّة أو فعله أو تقريره ، وجب الأخذ به ، ولا اختصاص للحجّيّة بما يظنّ كونه مدلولا لأحد هذه الثلاثة من جهة حكاية أحدها التي تسمّى خبرا وحديثا في الاصطلاح.

نعم ، يخرج عن مقتضى هذا الدليل : الظنّ الحاصل بحكم الله من أمارة لا يظنّ كونه (٢) مدلولا لأحد الثلاثة ، كما إذا ظنّ بالأولويّة العقليّة أو الاستقراء أنّ الحكم كذا عند الله ولم يظنّ بصدوره عن الحجّة ، أو قطعنا بعدم صدوره عنه عليه‌السلام ؛ إذ ربّ حكم واقعيّ لم يصدر عنهم وبقي مخزونا عندهم لمصلحة من المصالح.

لكن هذا نادر جدّا ؛ للعلم العاديّ بأنّ هذه المسائل العامّة البلوى قد صدر حكمها في الكتاب أو ببيان الحجّة قولا أو فعلا أو تقريرا ، فكلّ ما ظنّ من أمارة بحكم الله تعالى فقد ظنّ بصدور ذلك الحكم عنهم (٣).

والحاصل : أنّ مطلق الظنّ بحكم الله ظنّ بالكتاب أو السنّة ، ويدلّ على اعتباره ما دلّ على اعتبار الكتاب والسنّة الظنّيّة.

فإن قلت : المراد بالسنّة الأخبار والأحاديث ، والمراد أنّه يجب الرجوع إلى الأخبار المحكيّة عنهم ، فإن تمكّن من الرجوع إليها على

__________________

(١) في (ظ) ، (ر) و (م) : «ظنّ».

(٢) في غير (ر) و (ص) : «كونها».

(٣) لم ترد «عنهم» في (ر) ، (ص) ، (ظ) و (م).

وجه يفيد العلم فهو ، وإلاّ وجب الرجوع إليها على وجه يظنّ منه بالحكم.

قلت : مع أنّ السنّة في الاصطلاح عبارة عن نفس قول الحجّة أو فعله أو تقريره ، لا حكاية أحدها ، يرد عليه :

أنّ الأمر بالعمل بالأخبار المحكيّة المفيدة للقطع بصدورها ثابت بما دلّ على الرجوع إلى قول الحجّة ، وهو الإجماع والضرورة الثابتة من الدين أو المذهب. وأمّا الرجوع إلى الأخبار المحكيّة التي لا تفيد القطع بصدورها (١) عن الحجّة ، فلم يثبت ذلك بالإجماع والضرورة من الدين التي ادّعاها المستدلّ ؛ فإنّ غاية الأمر دعوى إجماع الإماميّة عليه في الجملة ، كما ادّعاه الشيخ والعلاّمة (٢) في مقابل السيّد وأتباعه قدّست أسرارهم.

وأمّا دعوى الضرورة من الدين والأخبار المتواترة كما ادّعاها المستدلّ ، فليست في محلّها. ولعلّ هذه الدعوى قرينة على أنّ مراده من السنّة نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره ، لا حكايتها التي لا توصل إليها على وجه العلم.

نعم ، لو ادّعى الضرورة على وجوب الرجوع إلى تلك الحكايات الغير العلميّة ؛ لأجل لزوم الخروج عن الدين لو طرحت بالكلّيّة ، يرد عليه :

أنّه إن أراد لزوم الخروج عن الدين من جهة العلم بمطابقة كثير

__________________

(١) في (ص) ، (ظ) و (ل) : «بالصدور».

(٢) راجع الصفحة ٣١١ و ٣٣٣.

منها للتكاليف الواقعيّة التي يعلم بعدم جواز رفع اليد عنها عند الجهل بها تفصيلا ، فهذا يرجع إلى دليل الانسداد الذي ذكروه لحجّية الظنّ ، ومفاده ليس إلاّ حجّية كلّ أمارة كاشفة عن التكليف الواقعيّ.

وإن أراد لزومه من جهة خصوص العلم الإجماليّ بصدور أكثر هذه الأخبار ـ حتّى لا يثبت به غير الخبر الظنّيّ من الظنون ـ ليصير دليلا عقليّا على حجّية خصوص (١) الخبر ، فهذا الوجه يرجع إلى الوجه الأوّل الذي قدّمناه وقدّمنا الجواب عنه ، فراجع (٢).

حاصل الكلام في أدلّة حجيّة الخبر الواحد

هذا تمام الكلام في الأدلّة التي أقاموها على حجّية الخبر ، وقد علمت دلالة بعضها وعدم دلالة البعض الآخر.

والإنصاف : أنّ الدالّ منها لم يدلّ إلاّ على وجوب العمل بما يفيد الوثوق والاطمئنان بمؤدّاه ، وهو الذي فسّر به الصحيح في مصطلح القدماء (٣) ، والمعيار فيه : أن يكون احتمال مخالفته للواقع بعيدا ، بحيث لا يعتني به العقلاء ولا يكون عندهم موجبا للتحيّر والتردّد الذي لا ينافي حصول مسمّى الرجحان ، كما نشاهد في الظنون الحاصلة بعد التروّي في شكوك الصلاة ، فافهم. وليكن على ذكر منك ؛ لينفعك فيما بعد.

__________________

(١) لم ترد «خصوص» في (ر).

(٢) راجع الصفحة ٣٥١ و ٣٥٧.

(٣) راجع الصفحة ٣٣٦.