درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۰: تجری ۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾(١) ، وما ورد من أنّ : «من رضي بفعل فقد لزمه وإن لم يفعل» (٢) ، وقوله تعالى : ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً﴾(٣).

الجمع بين أخبار العفو والعقاب

ويمكن حمل الأخبار الأول على من ارتدع عن قصده بنفسه ، وحمل الأخبار الأخيرة على من بقي على قصده حتّى عجز عن الفعل لا باختياره.

أو يحمل الأول على من اكتفى بمجرّد القصد ، والثانية على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدّمات ؛ كما يشهد له حرمة الإعانة على المحرّم ، حيث عمّمه بعض الأساطين (٤) لإعانة نفسه على الحرام ؛ ولعلّه لتنقيح المناط ، لا بالدلالة اللفظية.

أقسام التجرّي

ثمّ اعلم : أنّ (٥) التجرّي على أقسام ، يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها (٦).

أحدها : مجرّد القصد إلى المعصية.

ثانيها : القصد مع الاشتغال بمقدّماته.

وثالثها : القصد مع التلبّس بما يعتقد كونه معصية.

__________________

(١) البقرة : ٢٨٤.

(٢) لم نعثر عليه بلفظه ، ويدلّ عليه ما تقدّم آنفا ، وما في الوسائل ١١ : ٤١٠ ، الباب ٥ من أبواب الأمر والنهي ، الحديثان ٤ و ٥.

(٣) القصص : ٨٣.

(٤) هو كاشف الغطاء في شرحه على القواعد (مخطوط) : الورقة ١٦.

(٥) كذا في (ت) و (ه) ، وفي (ظ) ، (ل) ، (م) ونسخة بدل (ص) : «وقد علم ممّا ذكرنا أنّ» ، وفي (ص) و (ر) : «ثمّ إنّ».

(٦) لم ترد عبارة «يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها» في (ظ) و (م).

ورابعها : التلبّس بما يحتمل كونه معصية رجاء لتحقّق المعصية به.

وخامسها : التلبّس به لعدم المبالاة بمصادفة الحرام.

وسادسها (١) : التلبّس برجاء (٢) أن لا يكون معصية ، وخوف أن يكون معصية.

ويشترط في صدق التجرّي في الثلاثة الأخيرة : عدم كون الجهل عذرا عقليّا أو شرعيّا ـ كما في الشبهة المحصورة الوجوبيّة أو التحريميّة ـ ؛ وإلاّ لم يتحقّق احتمال المعصية وإن تحقّق احتمال المخالفة للحكم الواقعي ، كما في موارد أصالة البراءة واستصحابها.

ثمّ إنّ الأقسام الستّة كلّها مشتركة في استحقاق الفاعل للمذمّة من حيث خبث ذاته وجرأته (٣) وسوء سريرته ، وإنّما الكلام في تحقّق العصيان بالفعل المتحقّق في ضمنه التجرّي. وعليك بالتأمّل في كلّ من الأقسام.

ما أفاده الشهيد حول بعض الأقسام المذكورة

قال الشهيد قدس‌سره في القواعد :

لا يؤثّر نيّة المعصية عقابا ولا ذمّا ما لم يتلبّس بها ، وهو (٤) ما (٥) ثبت في الأخبار العفو عنه (٦).

ولو نوى المعصية وتلبّس بما يراه معصية ، فظهر خلافها ، ففي

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «والثاني ، والثالث ، والرابع ، والخامس ، والسادس».

(٢) في (ه) ومصحّحة (ت) بدل «التلبّس برجاء» : «التلبّس به رجاء».

(٣) لم ترد «وجرأته» في (ظ) ، (ل) و (م).

(٤) كذا في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) ، (م) والمصدر ، وفي (ت) و (ه) : «وهي».

(٥) كذا في (ظ) والمصدر ، وفي غيرهما : «ممّا».

(٦) الوسائل ١ : ٣٥ ، الباب ٦ من أبواب مقدّمة العبادات ، الأحاديث ٦ ، ٨ ، ١٠ ، ٢٠ و ٢١.

تأثير هذه النيّة نظر :

من أنّها لمّا لم تصادف المعصية صارت كنيّة مجرّدة ، وهو (١) غير مؤاخذ بها.

ومن دلالتها على انتهاك الحرمة وجرأته على المعاصي. وقد ذكر بعض الأصحاب (٢) : أنّه لو شرب المباح تشبّها بشرب المسكر فعل حراما ، ولعلّه ليس لمجرّد النيّة ، بل بانضمام فعل الجوارح.

ويتصوّر محلّ النظر في صور :

منها : ما لو وجد امرأة في منزل غيره ، فظنّها أجنبيّة فأصابها ، فبان أنّها زوجته أو أمته.

ومنها : ما لو وطئ زوجته بظنّ أنّها حائض ، فبانت طاهرة.

ومنها : ما (٣) لو هجم على طعام بيد غيره فأكله ، فتبيّن أنّه ملكه.

ومنها : ما (٤) لو ذبح شاة بظنّها للغير بقصد العدوان ، فظهرت ملكه.

ومنها : ما إذا قتل نفسا بظنّ أنّها معصومة ، فبانت مهدورة.

وقد قال بعض العامّة : نحكم بفسق المتعاطي ذلك ؛ لدلالته على عدم المبالاة بالمعاصي ، ويعاقب في الآخرة ـ ما لم يتب ـ عقابا متوسّطا بين الصغيرة والكبيرة. وكلاهما تحكّم وتخرّص على الغيب (٥) ، انتهى.

__________________

(١) كذا في (ر) ، (ص) ، (ظ) ، (ل) ، (م) والمصدر ، وفي (ت) و (ه) : «وهي».

(٢) هو أبو الصلاح الحلبي في كتابه (الكافي في الفقه) : ٢٧٩.

(٣) لم ترد «ما» في (ر) ، (ظ) ، (ل) ، (م) والمصدر.

(٤) لم ترد «ما» في (ر) ، (ظ) ، (م) والمصدر.

(٥) القواعد والفوائد ١ : ١٠٧ ـ ١٠٨.

الثاني

عدم حجّية القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة عند الأخباريّين

أنّك قد عرفت (١) : أنّه لا فرق فيما يكون العلم فيه كاشفا محضا بين أسباب العلم ، وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين (٢) عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة القطعيّة (٣) الغير الضروريّة ؛ لكثرة وقوع الاشتباه والغلط فيها ، فلا يمكن الركون إلى شيء منها.

مناقشة الأخباريّين

فإن أرادوا عدم جواز الركون بعد حصول القطع ، فلا يعقل ذلك في مقام اعتبار العلم من حيث الكشف ؛ ولو أمكن الحكم بعدم اعتباره لجرى مثله في القطع الحاصل من المقدّمات الشرعيّة طابق النعل بالنعل.

وإن أرادوا عدم جواز الخوض في المطالب العقليّة لتحصيل المطالب الشرعيّة ؛ لكثرة وقوع الغلط والاشتباه فيها ، فلو سلّم ذلك واغمض عن المعارضة بكثرة ما يحصل من الخطأ في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة ، فله وجه ، وحينئذ : فلو خاض فيها وحصل القطع بما

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١.

(٢) كالأمين الأسترابادي ، والمحدّث الجزائري ، والمحدّث البحراني ، كما سيأتي.

(٣) لم ترد «القطعيّة» في (ظ) ، (ل) و (م).

لا يوافق الحكم الواقعي لم يعذر في ذلك ؛ لتقصيره في مقدّمات التحصيل. إلاّ أنّ الشأن في ثبوت كثرة الخطأ أزيد ممّا يقع في فهم المطالب من الأدلّة الشرعيّة.

وقد عثرت ـ بعد ما ذكرت هذا ـ على كلام يحكى عن المحدّث الأسترابادي في فوائده المدنيّة ، قال ـ في عداد ما استدلّ به على انحصار الدليل في غير الضروريّات الدينيّة في السماع عن الصادقين عليهم‌السلام ـ (١) :

كلام المحدّث الأسترابادي في المسألة

الدليل التاسع مبنيّ على مقدّمة دقيقة شريفة تفطّنت لها بتوفيق الله تعالى ، وهي :

أنّ العلوم النظرية قسمان :

قسم ينتهي إلى مادّة هي قريبة من الإحساس ، ومن هذا القسم علم الهندسة والحساب وأكثر أبواب المنطق ، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء والخطأ في نتائج الأفكار ؛ والسبب في ذلك أنّ الخطأ في الفكر إمّا من جهة الصورة أو من جهة المادّة ، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء ؛ لأنّ معرفة الصورة من الامور الواضحة عند الأذهان المستقيمة ، والخطأ من جهة المادّة لا يتصوّر في هذه العلوم ؛ لقرب الموادّ فيها إلى الإحساس.

وقسم ينتهي إلى مادّة هي بعيدة عن الإحساس ، ومن هذا القسم الحكمة الإلهيّة والطبيعية وعلم الكلام وعلم اصول الفقه والمسائل النظرية الفقهيّة وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق ؛ ومن ثمّ وقع الاختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهيّة والطبيعيّة ، وبين

__________________

(١) في (ر) ، (ص) ، (ل) و (م) زيادة : «قال».