درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸: برائت ۸

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

لا يعلم ـ كما هو مقتضى رواية التثليث (١) ونحوها (٢) التي هي عمدة أدلّتهم ـ ، ويعترف بعدم المقتضي للاستحقاق على تقدير عدم الفعليّة ، فيكفي في عدم الاستحقاق نفي الفعليّة ، بخلاف مقام التكلّم في الملازمة ؛ فإنّ المقصود فيه إثبات الحكم الشرعيّ في مورد حكم العقل ، وعدم ترتب العقاب على مخالفته لا ينافي ثبوته ، كما في الظهار حيث قيل : إنّه محرّم معفوّ عنه (٣) ، وكما في العزم على المعصية على احتمال.

نعم ، لو فرض هناك ـ أيضا ـ إجماع على أنّه لو انتفت الفعليّة انتفى الاستحقاق ـ كما يظهر من بعض ما فرّعوا على تلك المسألة ـ لجاز التمسّك بها هناك.

والإنصاف : أنّ الآية لا دلالة لها على المطلب في المقامين.

الاستدلال بآية «وما كان الله ليضلّ»

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾(٤) ، أي : ما يجتنبونه من الأفعال والتروك. وظاهرها : أنّه تعالى لا يخذلهم بعد هدايتهم إلى الإسلام إلاّ بعد ما يبيّن لهم.

وعن الكافي (٥) وتفسير العياشي (٦) وكتاب التوحيد (٧) : «حتّى

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١٤ و ١١٨ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩ و ٢٣.

(٢) انظر الصفحة ٦٤ ـ ٦٧.

(٣) يظهر من الشيخ الطبرسي القول به في تفسير مجمع البيان ٥ : ٢٤٧.

(٤) التوبة : ١١٥.

(٥) الكافي ١ : ١٦٣ ، باب البيان والتعريف ولزوم الحجّة ، الحديث ٣.

(٦) تفسير العيّاشي ٢ : ١١٥ ، الحديث ١٥٠.

(٧) كتاب التوحيد للصدوق : ٤١٤ ، باب التعريف والبيان والحجّة ، الحديث ١١.

يعرّفهم ما يرضيه وما يسخطه».

المناقشة في الاستدلال

وفيه : ما تقدّم في الآية السابقة (١). مع أنّ دلالتها أضعف ؛ من حيث إنّ توقّف الخذلان على البيان غير ظاهر الاستلزام للمطلب ، اللهمّ إلاّ بالفحوى.

الاستدلال بآية «ليهلك من هلك ...» والمناقشة فيه

ومنها : قوله تعالى : ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾(٢).

وفي دلالتها تأمّل ظاهر.

إيرادّ عامّ

ويرد على الكلّ : أنّ غاية مدلولها عدم المؤاخذة على مخالفة النهي المجهول عند المكلّف لو فرض وجوده واقعا ، فلا ينافي ورود الدليل العامّ على وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم ، ومعلوم أنّ القائل بالاحتياط ووجوب الاجتناب لا يقول به إلاّ عن دليل علميّ ، وهذه الآيات بعد تسليم دلالتها غير معارضة لذلك الدليل ، بل هي من قبيل الأصل بالنسبة إليه ، كما لا يخفى.

الاستدلال بآية «قل لا أجد»

ومنها : قوله تعالى مخاطبا لنبيّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ملقّنا إيّاه طريق الردّ على اليهود حيث حرّموا بعض ما رزقهم الله افتراء عليه : ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ (٣).

فأبطل تشريعهم بعدم وجدان ما حرّموه في جملة المحرّمات التي أوحى الله إليه ، وعدم وجدانه صلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك فيما اوحي إليه وإن كان دليلا

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٣.

(٢) الأنفال : ٤٢.

(٣) الانعام : ١٤٥.

قطعيّا على عدم الوجود ، إلاّ أنّ في التعبير بعدم الوجدان دلالة على كفاية عدم الوجدان في إبطال الحكم بالحرمة.

المناقشة في الاستدلال

لكنّ الإنصاف : أنّ غاية الأمر أن يكون في العدول عن التعبير بعدم الوجود إلى عدم الوجدان إشارة إلى المطلب ، وأمّا الدلالة فلا ؛ ولذا قال في الوافية : وفي الآية إشعار بأنّ إباحة الأشياء مركوزة في العقل قبل الشرع (١).

مع أنّه لو سلّم دلالتها ، فغاية مدلولها كون عدم وجدان التحريم فيما صدر عن الله تعالى من الأحكام يوجب عدم التحريم ، لا عدم وجدانه فيما بقي بأيدينا من أحكام الله تعالى بعد العلم باختفاء كثير منها عنّا ، وسيأتي توضيح ذلك عند الاستدلال بالإجماع العمليّ على هذا المطلب (٢).

الاستدلال بآية «وما لكم»

ومنها : قوله تعالى : ﴿وَما لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣).

يعني مع خلوّ ما فصّل عن ذكر هذا الذي يجتنبونه.

ولعلّ هذه الآية أظهر من سابقتها ؛ لأنّ السابقة دلّت على أنّه لا يجوز الحكم بحرمة ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى الله سبحانه إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهذه تدل على أنّه لا يجوز التزام ترك الفعل مع عدم وجوده فيما فصّل وإن لم يحكم بحرمته ، فيبطل وجوب الاحتياط أيضا.

__________________

(١) الوافية : ١٨٦.

(٢) انظر الصفحة ٥٥ ـ ٥٦.

(٣) الأنعام : ١١٩.