درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۲۱: برائت ۲۱

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

هذا ، مع أنّ اللازم ممّا ذكر (١) عدم الحاجة إلى الإجماع المركّب ، فإنّ الشرب فيه قسمان : شرب الماء وشرب البنج ، فشرب التتن كلحم الحمار بعينه ، وهكذا جميع الافعال المجهولة الحكم.

وأمّا الفرق بين الشرب واللحم بأنّ الشرب جنس بعيد لشرب التتن بخلاف اللحم ، فممّا لا ينبغي أن يصغى إليه.

هذا كلّه ، مضافا إلى أنّ الظاهر من قوله : «حتّى تعرف الحرام منه» معرفة ذلك الحرام الذي فرض وجوده في الشيء ، ومعلوم أنّ معرفة لحم الخنزير وحرمته لا يكون غاية لحلّية لحم الحمار.

وقد أورد على الاستدلال (٢) :

ما أورده المحقّق القمّي على الاستدلال

بلزوم استعمال قوله عليه‌السلام : «فيه حلال وحرام» في معنيين : أحدهما : أنّه قابل للاتصاف بهما ـ وبعبارة اخرى : يمكن تعلّق الحكم الشرعيّ به ـ ليخرج ما لا يقبل الاتصاف بشيء منهما.

والثاني : أنّه ينقسم إليهما ويوجد النوعان فيه إمّا في نفس الأمر أو عندنا ، وهو غير جائز.

وبلزوم استعمال قوله عليه‌السلام : «حتّى تعرف الحرام منه بعينه» في المعنيين أيضا ؛ لأنّ المراد حتّى تعرف من الأدلّة الشرعيّة «الحرمة» (٣) ، إذا اريد معرفة الحكم المشتبه ، وحتّى تعرف من الخارج ـ من بيّنة أو غيرها ـ «الحرمة» ، إذا اريد معرفة الموضوع المشتبه فليتأمّل (٤) ، انتهى.

__________________

(١) في (ه): «ممّا ذكره».

(٢) المورد هو المحقّق القمي قدس‌سره في القوانين ٢ : ١٩.

(٣) «الحرمة» من المصدر.

(٤) القوانين ٢ : ٢٥٩.

وليته أمر بالتأمّل في الإيراد الأوّل أيضا ، ويمكن إرجاعه إليهما معا ، وهو الأولى.

هذه جملة ما استدلّ به من الأخبار.

المحصّل من الأخبار المستدلّ بها على البراءة

والإنصاف : ظهور بعضها في الدلالة على عدم وجوب الاحتياط في ما لا نصّ فيه في الشبهة (١) ، بحيث لو فرض تماميّة الأخبار الآتية للاحتياط (٢) وقعت المعارضة بينها ، لكن بعضها غير دالّ إلاّ على عدم وجوب الاحتياط لو لم يرد أمر عامّ به ، فلا يعارض (٣) ما سيجيء من أخبار الاحتياط لو نهضت للحجيّة سندا ودلالة.

الاستدلال على البراءة بالإجماع :

وأمّا الإجماع :

فتقريره من (٤) وجهين :

١ ـ دعوى الإجماع فيما لم يرد دليل على تحريه مطلقاً

الأوّل : دعوى إجماع العلماء كلّهم ـ من المجتهدين والأخباريّين ـ على أنّ الحكم في ما لم يرد فيه دليل عقليّ أو نقليّ على تحريمه من حيث هو ولا على تحريمه (٥) من حيث إنّه مجهول الحكم ، هي البراءة وعدم العقاب على الفعل.

وهذا الوجه لا ينفع إلاّ بعد عدم تماميّة ما ذكر من الدليل العقليّ

__________________

(١) في (ص) زيادة : «التحريميّة».

(٢) ستأتي في الصفحة ٦٤ ـ ٦٧ ، ٧٦ ـ ٧٨ و ٨٢.

(٣) في (ر) و (ظ): «فلا تعارض».

(٤) في (ر) و (ص): «على».

(٥) لم ترد «من حيث هو ولا على تحريمه» في (ر).

والنقليّ للحظر والاحتياط ، فهو نظير حكم العقل الآتي (١).

٢ ـ دعوى الإجماع فيما لم يرد دليل على تحريمه من حيث هو

الثاني : دعوى الإجماع على أنّ الحكم في ما لم يرد دليل على تحريمه من حيث هو ، هو (٢) عدم وجوب الاحتياط وجواز الارتكاب.

وتحصيل الإجماع بهذا النحو من وجوه :

تحصيل الإجماع على النحو الثاني من وجوه

الأوّل : ملاحظة فتاوى العلماء في موارد الفقه :

١ ـ ملاحظة فتاوي العلماء

فإنّك لا تكاد تجد من زمان المحدّثين إلى زمان أرباب التصنيف في الفتوى من يعتمد على حرمة شيء من الأفعال بمجرّد الاحتياط. نعم ، ربما يذكرونه في طيّ الاستدلال في جميع الموارد ، حتّى في الشبهة الوجوبيّة التي اعترف القائلون بالاحتياط هنا (٣) بعدم وجوبه فيها. ولا بأس بالاشارة إلى من وجدنا في كلماتهم ما هو ظاهر في هذا القول.

كلام ثقة الإسلام الكليني قدس‌سره

فمنهم : ثقة الإسلام الكلينيّ قدس‌سره ؛ حيث صرّح في ديباجة الكافي : بأنّ الحكم في ما اختلف فيه الأخبار التخيير (٤) ، ولم يلزم (٥) الاحتياط مع ما ورد (٦) من الأخبار بوجوب الاحتياط في ما تعارض فيه النصّان

__________________

(١) في الصفحة ٥٦.

(٢) لم ترد «هو» في (ت) و (ر).

(٣) «هنا» من (ظ).

(٤) الكافي ١ : ٩.

(٥) في (ت) و (ه): «ولم يلتزم».

(٦) في (ظ) زيادة : «فيه».

وما (١) لم يرد فيه (٢) نصّ بوجوبه في خصوص ما لا نصّ فيه.

فالظاهر : أنّ كلّ من قال بعدم وجوب الاحتياط هناك قال به هنا.

كلام الشيخ الصدوق قدس‌سره

ومنهم : الصدوق ؛ فإنّه قال : اعتقادنا أنّ الأشياء على الإباحة حتّى يرد النهي (٣).

ويظهر من هذا موافقة والده ومشايخه ؛ لأنّه لا يعبّر بمثل هذه العبارة مع مخالفته لهم ، بل ربما يقول : «الذي أعتقده وافتي به» ، واستظهر (٤) من عبارته هذه : أنّه من دين الاماميّة (٥).

وأمّا السيّدان : فقد صرّحا باستقلال العقل بإباحة ما لا طريق إلى كونه مفسدة (٦) ، وصرّحا أيضا في مسألة العمل بخبر الواحد : أنّه متى فرضنا عدم الدليل على حكم الواقعة رجعنا فيها إلى حكم العقل (٧).

كلام الشيخ الطوسي قدس‌سره

وأمّا الشيخ قدس‌سره : فإنّه وإن ذهب وفاقا لشيخه المفيد قدس‌سره إلى أنّ الأصل في الأشياء من طريق العقل الوقف (٨) ، إلاّ أنّه صرّح في العدة : بأنّ حكم الأشياء من طريق العقل وإن كان هو الوقف ، لكنه لا يمتنع

__________________

(١) لم ترد «ما» في (ت) ، (ر) و (ه).

(٢) لم ترد «فيه» في (ت) و (ر).

(٣) الاعتقادات للشيخ الصدوق ، المطبوع ضمن مصنفات الشيخ المفيد ٥ : ١١٤.

(٤) في (ص): «بل استظهر».

(٥) استظهره المحقّق القمّي في القوانين ٢ : ١٦.

(٦) الذريعة ٢ : ٨٠٩ ـ ٨١٢ ، والغنية (الجوامع الفقهية) : ٤٨٦.

(٧) انظر الذريعة ٢ : ٥٤٩ ، والغنية (الجوامع الفقهية) : ٤٧٦.

(٨) العدّة ٢ : ٧٤٢ ، وانظر التذكرة باصول الفقه (مصنفات الشيخ المفيد) : ٤٣.

أن يدلّ دليل سمعيّ على أنّ الأشياء على الإباحة بعد أن كانت على الوقف ، بل عندنا الأمر كذلك وإليه نذهب (١) ، انتهى.

وأمّا من تأخّر عن الشيخ قدس‌سره ، كالحلّي (٢) والمحقّق (٣) والعلاّمة (٤) والشهيدين (٥) وغيرهم (٦) : فحكمهم بالبراءة يعلم من مراجعة كتبهم.

وبالجملة : فلا نعرف قائلا معروفا بالاحتياط وإن كان ظاهر المعارج نسبته إلى جماعة (٧).

ثمّ إنّه ربما نسب إلى المحقّق قدس‌سره رجوعه عمّا في المعارج إلى ما في المعتبر (٨) : من التفصيل بين ما يعمّ به البلوى وغيره وأنّه لا يقول بالبراءة في الثاني. وسيجيء الكلام في هذه النسبة بعد ذكر الأدلّة إن شاء الله (٩).

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ تخصيص بعض القول بالبراءة بمتأخّري الإماميّة مخالف للواقع (١٠) ، وكأنّه ناش عمّا رأى من السيّد والشيخ من

__________________

(١) العدّة ٢ : ٧٥٠.

(٢) السرائر ١ : ٤٦.

(٣) المعارج : ٢١٢ ، وانظر المعتبر ١ : ٣٢.

(٤) نهاية الوصول (مخطوط) : ٤٢٤.

(٥) الذكرى ١ : ٥٢ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٢ ، وتمهيد القواعد : ٢٧١.

(٦) مثل الوحيد البهبهاني في الرسائل الاصوليّة : ٣٥٣.

(٧) المعارج : ٢٠٣ و ٢١٦.

(٨) الناسب هو المحقّق القمي في القوانين ٢ : ١٥ ، وانظر المعتبر ١ : ٣٢.

(٩) انظر الصفحة ٩٣.

(١٠) التخصيص من الشيخ حسين الكركي في كتاب هداية الأبرار : ٢٦٦.

التمسّك بالاحتياط في كثير من الموارد ؛ ويؤيّده ما في المعارج : من نسبة القول برفع الاحتياط على الإطلاق إلى جماعة (١).

٢ ـ الإجماعات المنقولة والشهرة المحقّقة

الثاني : الإجماعات المنقولة والشهرة المحقّقة ، فإنّها قد تفيد القطع بالاتّفاق.

وممّن استظهر منه دعوى ذلك : الصدوق رحمه‌الله في عبارته المتقدّمة (٢) عن اعتقاداته.

كلام الحلّي في السرائر

وممّن ادّعى اتّفاق المحصلين عليه : الحلّيّ في أوّل السرائر ؛ حيث قال بعد ذكر الكتاب والسنّة والإجماع : إنّه إذا فقدت الثلاثة فالمعتمد في المسألة الشرعيّة عند المحقّقين الباحثين عن مأخذ الشريعة ، التمسّك بدليل العقل (٣) ، انتهى. ومراده بدليل العقل ـ كما يظهر من تتبّع كتابه ـ هو أصل البراءة.

كلام المحقّق في المسائل المصريّة

وممّن ادّعى إطباق العلماء : المحقّق في المعارج في باب الاستصحاب (٤) ، وعنه في المسائل المصريّة أيضا في توجيه نسبة السيّد إلى مذهبنا جواز إزالة النجاسة بالمضاف مع عدم ورود نص فيه : أنّ من أصلنا العمل بالأصل حتّى يثبت الناقل ، ولم يثبت المنع عن إزالة النجاسة بالمائعات (٥).

__________________

(١) المعارج : ٢١٦.

(٢) راجع الصفحة ٤٣.

(٣) السرائر ١ : ٤٦.

(٤) المعارج : ٢٠٨.

(٥) المسائل المصريّة (الرسائل التسع) : ٢١٦.