درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۵۰: برائت ۵۰

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

علموه ، انتهى.

أقول : ما ذكره من الفرق لا مدخل له ؛ فإنّ طريق الحكم لا يجب الفحص عنه وإزالة الشبهة فيه ، لا من الإمام عليه‌السلام ولا من غيره من الطرق المتمكّن منها ، والرجوع إلى الإمام عليه‌السلام إنّما يجب في ما تعلّق التكليف فيه بالواقع على وجه لا يعذر (١) الجاهل المتمكّن من العلم.

وأمّا مسألة مقدار معلومات الإمام عليه‌السلام من حيث العموم والخصوص ، وكيفيّة علمه بها من حيث توقّفه على مشيّتهم أو على التفاتهم إلى نفس الشيء أو عدم توقّفه على ذلك ، فلا يكاد يظهر من الأخبار المختلفة في ذلك ما يطمئنّ به النفس ؛ فالأولى ووكول علم ذلك إليهم صلوات الله عليهم أجمعين.

ثمّ قال :

ومنها : أنّ اجتناب الشبهة في نفس الحكم أمر ممكن مقدور ؛ لأنّ أنواعه محصورة ، بخلاف الشبهة في طريق الحكم فاجتنابها غير ممكن ؛ لما أشرنا إليه : من عدم وجود الحلال البيّن ، ولزوم تكليف ما لا يطاق.

والاجتناب عمّا يزيد على قدر الضرورة حرج عظيم وعسر شديد ؛ لاستلزامه الاقتصار في اليوم والليلة على لقمة واحدة وترك جميع الانتفاعات ، انتهى.

أقول : لا ريب أنّ أكثر الشبهات الموضوعيّة لا يخلو عن أمارات الحلّ والحرمة ، ك «يد المسلم» ، و «السوق» ، و «أصالة الطهارة» ، و «قول

__________________

(١) في (ظ) زيادة : «فيه».

المدّعي بلا معارض» ، والاصول العدميّة المجمع عليها عند المجتهدين والأخباريّين ، على ما صرّح به المحدّث الأستراباديّ كما سيجيء نقل كلامه في الاستصحاب (١) ، وبالجملة : فلا يلزم حرج من الاجتناب في الموارد الخالية عن هذه الأمارات ؛ لقلّتها.

ثمّ قال :

ومنها : أنّ اجتناب الحرام واجب عقلا ونقلا ، ولا يتمّ إلاّ باجتناب ما يحتمل التحريم ممّا اشتبه حكمه الشرعيّ ومن الأفراد الغير الظاهرة الفرديّة ، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به وكان مقدورا فهو واجب.

إلى غير ذلك من الوجوه. وإن أمكن المناقشة في بعضها ، فمجموعها دليل كاف شاف في هذا المقام ، والله أعلم بحقائق الأحكام (٢) ، انتهى.

أقول : الدليل المذكور أولى بالدلالة على وجوب الاجتناب عن الشبهة في طريق الحكم ، بل لو تمّ لم يتمّ إلاّ فيه ؛ لأنّ وجوب الاجتناب عن الحرام لم يثبت إلاّ بدليل حرمة ذلك الشيء أو أمر وجوب إطاعة الأوامر والنواهي ممّا ورد في الشرع وحكم به العقل ، فهي كلّها تابعة لتحقّق الموضوع أعني الأمر والنهي ، والمفروض الشكّ في تحقّق النهي ، وحينئذ : فإذا فرض عدم الدليل على الحرمة ، فأين وجوب ذي المقدّمة حتّى يثبت وجوبها؟

__________________

(١) انظر مبحث الاستصحاب ٣ : ٣١ ، ٤٤ و ١١٦ ـ ١١٧.

(٢) الفوائد الطوسيّة : ٥١٩ ـ ٥٢٠.

نعم ، يمكن أن يقال في الشبهة في طريق الحكم بعد ما قام الدليل على حرمة الخمر : يثبت وجوب الاجتناب عن جميع أفرادها الواقعيّة ، ولا يحصل العلم بموافقة هذا الأمر العامّ إلاّ بالاجتناب عن كلّ ما احتمل حرمته.

لكنّك عرفت الجواب عنه سابقا ، وأنّ التكليف بذي المقدّمة غير محرز إلاّ بالعلم التفصيليّ أو الإجماليّ ، فالاجتناب عمّا يحتمل الحرمة (١) احتمالا مجرّدا عن العلم الإجماليّ لا يجب ، لا نفسا ولا مقدّمة ، والله العالم.

__________________

(١) في (ت): «الخمريّة».

الثالث

الاحتياط التامّ موجب لاختلال النظام

أنّه لا شكّ في حكم العقل والنقل برجحان الاحتياط مطلقا ، حتّى فيما كان هناك أمارة على الحلّ مغنية عن أصالة الإباحة ، إلاّ أنّه لا ريب في أنّ الاحتياط في الجميع موجب لاختلال النظام كما ذكره المحدّث المتقدّم ذكره (١) ، بل يلزم أزيد ممّا ذكره ، فلا يجوز الأمر به من الحكيم ؛ لمنافاته للغرض.

التبعيض بحسب الاحتمالات

والتبعيض بحسب الموارد ، واستحباب الاحتياط حتّى يلزم الاختلال ـ أيضا ـ مشكل ؛ لأنّ تحديده في غاية العسر ، فيحتمل التبعيض بحسب الاحتمالات ، فيحتاط في المظنونات ، وأمّا المشكوكات فضلا عن انضمام الموهومات إليها ، فالاحتياط فيها حرج مخل بالنظام ، ويدلّ على هذا : العقل بعد ملاحظة حسن الاحتياط مطلقا واستلزام كلّيته الاختلال.

التبعيض بحسب المحتملات

ويحتمل التبعيض بحسب المحتملات ، فالحرام المحتمل إذا كان من الامور المهمّة في نظر الشارع كالدماء والفروج ، بل مطلق حقوق الناس

__________________

(١) أي الشيخ الحرّ العاملي ، راجع الصفحة ١٣٤.