المطلب الثاني
في دوران حكم الفعل بين الوجوب وغير الحرمة من الأحكام وفيه ـ أيضا ـ مسائل :
المطلب الثاني
في دوران حكم الفعل بين الوجوب وغير الحرمة من الأحكام وفيه ـ أيضا ـ مسائل :
الاولى
الشبهة الوجوبيّة من جهة فقدان النصّ
فيما اشتبه حكمه الشرعيّ الكلّي من جهة عدم النصّ المعتبر
كما إذا ورد خبر ضعيف أو فتوى جماعة بوجوب فعل ، كالدعاء عند رؤية الهلال ، وكالاستهلال في رمضان ، وغير ذلك.
المعروف من الأخباريّين عدم وجوب الاحتياط
كلام المحدّث العاملي
والمعروف من الأخباريّين هنا موافقة المجتهدين في العمل بأصالة البراءة وعدم وجوب الاحتياط ، قال المحدّث الحرّ العامليّ ـ في باب القضاء من الوسائل ـ : إنّه لا خلاف في نفي الوجوب عند الشكّ في الوجوب ، إلاّ إذا علمنا اشتغال الذمّة بعبادة معيّنة وحصل الشكّ بين فردين ، كالقصر والتمام والظهر والجمعة وجزاء واحد للصيد أو اثنين ونحو ذلك ، فإنّه يجب الجمع بين العبادتين ؛ لتحريم تركهما معا ؛ للنصّ ، وتحريم الجزم بوجوب أحدهما بعينه ؛ عملا بأحاديث الاحتياط (١) ، انتهى موضع الحاجة.
كلام المحدّث البحراني في الحدائق في عدم وجوب الاحتياط
وقال المحدّث البحراني ـ في مقدّمات كتابه ، بعد تقسيم أصل البراءة إلى قسمين : أحدهما : أنّها عبارة عن نفي وجوب فعل وجوديّ ،
__________________
(١) الوسائل ١٨ : ١١٩ ـ ١٢٠ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، ذيل الحديث ٢٨.
بمعنى : أنّ الأصل عدم الوجوب حتّى يقوم دليل على الوجوب :
وهذا القسم لا خلاف في صحّة الاستدلال به ؛ إذ لم يقل أحد : إنّ الأصل الوجوب (١).
كلام قدسسره في الدرر النجفيّة في عدم وجوب الاحتياط أيضاً
وقال في محكيّ كتابه ـ المسمّى بالدرر النجفيّة ـ : إن كان الحكم المشكوك دليله هو الوجوب ، فلا خلاف ولا إشكال في انتفائه حتّى يظهر دليله ؛ لاستلزام التكليف (٢) بدون الدليل الحرج والتكليف بما لا يطاق (٣) ، انتهى.
لكنّه قدسسره في مسألة وجوب الاحتياط ، قال بعد القطع برجحان الاحتياط :
كلام قدسسره في وجوب الاحتياط
إنّ منه ما يكون واجبا ، ومنه ما يكون مستحبّا :
فالأوّل : كما إذا تردّد المكلّف في الحكم ، إمّا لتعارض الأدلّة ، أو لتشابهها وعدم وضوح دلالتها ، أو لعدم الدليل بالكلّية بناء على نفي البراءة الأصليّة ، أو لكون ذلك الفرد مشكوكا في اندراجه تحت بعض الكلّيات المعلومة الحكم ، أو نحو ذلك.
والثاني : كما إذا حصل الشكّ باحتمال وجود النقيض لما قام عليه الدليل الشرعيّ احتمالا مستندا إلى بعض الأسباب المجوّزة ، كما إذا كان مقتضى الدليل الشرعيّ إباحة شيء وحلّيته لكن يحتمل قريبا بسبب
__________________
(١) الحدائق ١ : ٤٣.
(٢) في (ت) ، (ص) و (ه) زيادة : «به».
(٣) انظر الدرر النجفيّة : ٢٥ ، والحاكي هو الشيخ محمّد تقي في هداية المسترشدين : ٤٤٤.
بعض تلك الأسباب أنّه ممّا حرّمه الشارع وإن لم يعلم به المكلّف. ومنه جوائز الجائر ، ونكاح امرأة بلغك أنّها ارتضعت (١) معك الرضاع المحرّم إلاّ أنّه لم يثبت ذلك شرعا ، ومنه أيضا الدليل المرجوح في نظر الفقيه.
أمّا إذا لم يحصل ما يوجب الشكّ والريبة ، فإنّه يعمل على ما طهر له من الأدلّة وإن احتمل النقيض باعتبار الواقع ، ولا يستحبّ له الاحتياط هنا ، بل ربما كان مرجوحا ؛ لاستفاضة الأخبار بالنهي عن السؤال عند الشراء من سوق المسلمين.
ثمّ ذكر الأمثلة للأقسام الثلاثة لوجوب الاحتياط ، أعني اشتباه الدليل وتردّده بين الوجوب والاستحباب ، وتعارض الدليلين ، وعدم النصّ ، قال :
ومن هذا القسم : ما لم يرد فيه نصّ من الأحكام التي لا يعمّ بها البلوى عند من لم يعتمد على البراءة الأصليّة ، فإنّ الحكم فيه ما ذكر ، كما سلف (٢) ، انتهى.
وممّن يظهر منه وجوب الاحتياط هنا : المحدّث الأستراباديّ ، حيث حكي عنه في الفوائد المدنيّة ، أنّه قال :
إنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة من حيث هي هي إنّما يجوز قبل إكمال الدين ، وأمّا بعد تواتر الأخبار بأنّ كلّ واقعة محتاج إليها فيها خطاب قطعيّ من قبل الله تعالى ، فلا يجوز قطعا ؛ وكيف يجوز؟
__________________
(١) في (ر) والمصدر : «أرضعت».
(٢) الحدائق ١ : ٦٨ ـ ٧٠.
وقد تواتر عنهم عليهمالسلام وجوب التوقّف في ما لم يعلم حكمها ، معلّلين : بأنّه بعد أن كملت الشريعة لا تخلو واقعة عن حكم قطعيّ وارد من الله تعالى ، وبأنّ من حكم بغير ما أنزل الله تعالى فاولئك هم الكافرون.
ثمّ أقول : هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء ، فحريّ بنا أن نحقّق المقام ونوضّحه بتوفيق الملك العلاّم ودلالة أهل الذكر عليهمالسلام ، فنقول : التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن والقبح الذاتيّين ، وكذلك عند من يقول بهما ولا يقول بالحرمة والوجوب الذاتيّين ، كما هو المستفاد من كلامهم عليهمالسلام ، وهو الحقّ عندي.
ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده ، إلاّ على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ الواقعة عن حكم وارد من الله تعالى.
لا يقال : بقي هنا أصل آخر ، وهو أن يكون الخطاب الذي ورد من الله تعالى موافقا للبراءة الأصليّة.
لأنّا نقول : هذا الكلام ممّا لا يرضى به لبيب ؛ لأنّ خطابه تعالى تابع للحكم والمصالح ، ومقتضيات الحكم والمصالح مختلفة.
إلى أن قال :
هذا الكلام ممّا لا يرتاب في قبحه ، نظير أن يقال : الأصل في الأجسام تساوي نسبة طبائعها إلى جهة السفل والعلوّ ، ومن المعلوم بطلان هذا المقال.
ثمّ أقول : الحديث المتواتر بين الفريقين المشتمل على حصر الامور