درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۷۵: احتیاط ۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أمّا المقام الأوّل :

هل يجوز ارتكاب جميع المشتبهات؟

فالحقّ فيه : عدم الجواز وحرمة المخالفة القطعيّة ، وحكي عن ظاهر بعض (١) جوازها (٢).

الحقّ حرمة المخالفة القطعيّة والاستدلال عليه

لنا على ذلك : وجود المقتضي للحرمة وعدم المانع عنها.

أمّا ثبوت المقتضي : فلعموم دليل تحريم ذلك العنوان المشتبه ؛ فإنّ قول الشارع : «اجتنب عن الخمر» ، يشمل الخمر الموجود المعلوم المشتبه بين الإناءين أو أزيد ، ولا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلا.

مع أنّه لو اختصّ الدليل بالمعلوم تفصيلا خرج الفرد المعلوم إجمالا عن كونه حراما واقعيّا وكان حلالا واقعيّا (٣) ، ولا أظنّ أحدا يلتزم بذلك ، حتّى من يقول بكون الألفاظ أسامي للامور المعلومة ؛ فإنّ الظاهر إرادتهم الأعمّ من المعلوم إجمالا.

وأمّا عدم المانع : فلأنّ العقل لا يمنع من التكليف ـ عموما أو خصوصا ـ بالاجتناب عن عنوان الحرام المشتبه في أمرين أو امور ، والعقاب على مخالفة هذا التكليف.

وأمّا الشرع فلم يرد فيه ما يصلح للمنع عدا ما ورد ، من قولهم عليهم‌السلام : «كلّ شيء حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه» (٤) ، و «كلّ

__________________

(١) هو العلاّمة المجلسي في أربعينه : ٥٨٢ ، على ما حكاه عنه في القوانين ٢ : ٢٧.

(٢) في (ظ) و (ه): «جوازه».

(٣) لم ترد «وكان حلالا واقعيّا» في (ر) ، وفي (ص) بدل «وكان» : «فكان».

(٤) الوسائل ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

شيء فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه» (١) ، وغير ذلك (٢) ، بناء على أنّ هذه الأخبار كما دلّت على حلّية المشتبه مع عدم العلم الإجماليّ وإن كان محرّما في علم الله سبحانه ، كذلك دلّت على حلّية المشتبه مع العلم الإجماليّ.

ويؤيّده : إطلاق الأمثلة المذكورة في بعض هذه الروايات ، مثل الثوب المحتمل للسرقة والمملوك المحتمل للحرّية والمرأة المحتملة للرضيعة ؛ فإنّ إطلاقها يشمل الاشتباه مع العلم الإجمالي ، بل الغالب ثبوت العلم الإجماليّ ، لكن مع كون الشبهة غير محصورة.

عدم صلاحيّة أخبار «الحلّ» للمنع عن الحرمة

ولكن هذه الأخبار وأمثالها لا تصلح للمنع ؛ لأنّها كما تدلّ على حلّية كلّ واحد من المشتبهين ، كذلك تدلّ على حرمة ذلك المعلوم إجمالا ؛ لأنّه أيضا شيء علم حرمته.

فإن قلت : إنّ غاية الحلّ معرفة الحرام بشخصه ولم يتحقّق في المعلوم الإجماليّ.

ما هو غاية الحلّ في أخبار «الحلّ»؟

قلت : أمّا قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء (٣) حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه» فلا يدلّ على ما ذكرت ؛ لأنّ قوله عليه‌السلام : «بعينه» تأكيد للضمير جيء به للاهتمام في اعتبار العلم ، كما يقال : «رأيت زيدا نفسه بعينه» (٤) لدفع توهّم وقوع الاشتباه في الرؤية ؛ وإلاّ فكلّ شيء علم حرمته فقد

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٥٩ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث الأوّل.

(٢) يعني أخبار البراءة المتقدّمة في الصفحة ٢٨ و ٤١ ـ ٤٤.

(٣) في (ت) والمصدر زيادة : «لك».

(٤) لم ترد «نفسه» في (ر) و (ص) ، ولم ترد «بعينه» في (ظ).

علم حرمته بعينه (١) ، فإذا علم نجاسة إناء زيد وطهارة إناء عمرو فاشتبه الإناءان ، فإناء زيد شيء علم حرمته بعينه.

نعم ، يتّصف هذا المعلوم المعيّن بكونه لا بعينه إذا اطلق عليه عنوان «أحدهما» فيقال : أحدهما لا بعينه ، في مقابل أحدهما المعيّن عند القائل.

وأمّا قوله عليه‌السلام : «فهو لك حلال حتّى تعرف الحرام منه بعينه» ، فله ظهور في ما ذكر ؛ حيث إنّ قوله : «بعينه» قيد للمعرفة ، فمؤدّاه اعتبار معرفة الحرام بشخصه ، ولا يتحقّق ذلك إلاّ إذا أمكنت الإشارة الحسّية إليه ، و (٢) إناء زيد المشتبه بإناء عمرو في المثال وإن كان معلوما بهذا العنوان إلاّ أنّه مجهول باعتبار الامور المميّزة له في الخارج عن إناء عمرو ، فليس معروفا بشخصه.

إلاّ أنّ إبقاء الصحيحة على هذا الظهور يوجب المنافاة لما دلّ على حرمة ذلك العنوان المشتبه ، مثل قوله : «اجتنب عن الخمر» ؛ لأنّ الإذن في كلا المشتبهين ينافي المنع عن عنوان مردّد بينهما ، ويوجب الحكم بعدم حرمة الخمر المعلوم إجمالا في متن الواقع ، وهو ممّا يشهد الاتّفاق والنصّ على خلافه ، حتّى نفس هذه الأخبار ، حيث إنّ مؤدّاها ثبوت الحرمة الواقعيّة للأمر المشتبه.

فإن قلت : مخالفة الحكم الظاهريّ للحكم الواقعيّ لا يوجب ارتفاع الحكم الواقعيّ ، كما في الشبهة المجرّدة عن العلم الإجماليّ ، مثلا

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها بدل «حرمته بعينه» : «حرمة نفسه».

(٢) في (ر) و (ص) زيادة : «أمّا».