درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۷۸: احتیاط ۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

توهّم وجود المخالفة القطعيّة للعلم الإجمالي في الشرعيّات

فإن قلت : إنّ المخالفة القطعيّة للعلم الإجماليّ فوق حدّ الاحصاء في الشرعيّات ، كما في الشبهة الغير المحصورة ، وكما لو قال القائل في مقام الإقرار : هذا لزيد بل لعمرو ، فإنّ الحاكم يأخذ المال لزيد وقيمته لعمرو ، مع أنّ أحدهما أخذ للمال بالباطل ، وكذا يجوز للثالث أن يأخذ المال من يد زيد وقيمته من يد عمرو ، مع علمه بأنّ أحد الأخذين تصرّف في مال الغير بغير إذنه. ولو قال : هذا لزيد بل لعمرو بل لخالد ، حيث إنّه يغرم لكلّ من عمرو وخالد تمام القيمة ، مع أنّ حكم الحاكم باشتغال ذمّته بقيمتين مخالف للواقع قطعا.

وأيّ فرق بين قوله عليه‌السلام : «إقرار العقلاء على أنفسهم جائز» (١) ، وبين أدلّة حلّ ما لم يعرف كونه حراما (٢) ، حتّى أنّ الأوّل يعمّ الإقرارين المعلوم مخالفة أحدهما للواقع ، والثاني لا يعمّ الشيئين المعلوم حرمة أحدهما؟

وكذلك لو تداعيا عينا في موضع يحكم بتنصيفها بينهما ، مع العلم بأنّها ليست إلاّ لأحدهما.

وذكروا ـ أيضا ـ في باب الصلح : أنّه لو كان لأحد المودعين (٣) درهم وللآخر درهمان ، فتلف عند الودعيّ أحد الدراهم ، فإنّه يقسّم أحد الدرهمين الباقيين بين المالكين ، مع العلم الإجماليّ بأنّ دفع أحد النصفين دفع للمال إلى غير صاحبه.

__________________

(١) الوسائل ١٦ : ١١١ ، الباب ٣ من كتاب الإقرار ، الحديث ٢.

(٢) تقدّمت أخبار الحلّ في الصفحة ٢٠٠ ـ ٢٠١.

(٣) في (ت) ، (ر) و (ص): «الودعيّين».

وكذا لو اختلف المتبايعان في المبيع أو الثمن وحكم بالتحالف وانفساخ البيع ، فإنّه يلزم مخالفة العلم الإجمالي بل التفصيلي في بعض الفروض ، كما لا يخفى.

الجواب عن التوهّم المذكور

قلت : أمّا الشبهة الغير المحصورة فسيجيء وجه جواز المخالفة فيها (١).

وأمّا الحاكم فوظيفته أخذ ما يستحقّه المحكوم له على المحكوم عليه بالأسباب الظاهريّة ، كالإقرار والحلف والبيّنة وغيرها ، فهو قائم مقام المستحقّ في أخذ حقّه ، ولا عبرة بعلمه الإجماليّ.

نظير ذلك : ما إذا أذن المفتي لكلّ واحد من واجدي المنيّ في الثوب المشترك في دخول المسجد ، فإنّه إنّما يأذن كلاّ منهما بملاحظة تكليفه في نفسه ، فلا يقال : إنّه يلزم من ذلك إذن الجنب في دخول المسجد وهو حرام.

وأمّا غير الحاكم ممّن اتّفق له أخذ المالين من الشخصين المقرّ لهما في مسألة الإقرار ، فلا نسلّم جواز أخذه لهما ، بل ولا لشيء منهما ، إلاّ إذا قلنا بأنّ ما يأخذه كلّ (٢) منهما يعامل معه معاملة الملك الواقعيّ ، نظير ما يملكه ظاهرا بتقليد أو اجتهاد مخالف (٣) لمذهب من يريد ترتيب الأثر (٤) ، بناء على أنّ العبرة في ترتيب آثار الموضوعات الثابتة في الشريعة ـ كالملكيّة والزوجيّة وغيرهما ـ بصحّتها عند المتلبّس بها ـ كالمالك والزوجين ـ ما لم يعلم تفصيلا من يريد ترتيب الأثر خلاف

__________________

(١) انظر الصفحة ٢٥٧ ـ ٢٦٥.

(٢) لم ترد «كلّ» في غير (ت) و (ظ).

(٣) كذا في (ت) ، وفي غيرها : «يخالف».

(٤) في (ت) و (ص): «الآثار».

ذلك ؛ ولذا (١) قيل (٢) بجواز الاقتداء في الظهرين بواجدي المنيّ في صلاة واحدة ؛ بناء على أنّ المناط في صحّة الاقتداء الصحّة عند المصلّي ما لم يعلم تفصيلا فساده.

وأمّا مسألة الصلح ، فالحكم فيها تعبّديّ ، وكأنّه صلح قهريّ بين المالكين ، أو يحمل على حصول الشركة بالاختلاط ، وقد ذكر بعض الأصحاب أنّ مقتضى القاعدة الرجوع إلى القرعة (٣).

وبالجملة : فلا بدّ من التوجيه في جميع ما توهم (٤) جواز المخالفة القطعيّة الراجعة إلى طرح دليل شرعيّ ؛ لأنّها كما عرفت ممّا يمنع عنها العقل والنقل (٥) ، خصوصا إذا قصد من ارتكاب المشتبهين التوصّل إلى الحرام. هذا ممّا لا تأمّل فيه ، ومن يظهر منه جواز الارتكاب فالظاهر أنّه قصد غير هذه الصورة.

ومنه يظهر : أنّ إلزام القائل بالجواز (٦) : بأنّ تجويز ذلك يفضي إلى إمكان التوصّل إلى فعل جميع المحرّمات على وجه مباح ـ بأن يجمع بين الحلال والحرام المعلومين تفصيلا كالخمر والخلّ على وجه يوجب

__________________

(١) كذا في (ظ) ، وفي غيرها : «ولذلك».

(٢) انظر التذكرة ١ : ٢٢٤ ، والمدارك ١ : ٢٧٠.

(٣) لم نظفر بقائله في المقام ، نعم ، حكاه العلاّمة المجلسي في أربعينه (الصفحة ٥٨٢) عن بعض الأصحاب ، ونسبه في أوثق الوسائل (الصفحة ٣٢٣) إلى ابن طاوس.

(٤) كذا في جميع النسخ ، والمناسب : «يوهم».

(٥) راجع الصفحة ٢٠٠.

(٦) الملزم هو صاحب الفصول في الفصول : ١٨١.