درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۶: احتیاط ۱۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ماهيّة واحدة والجزئيّات التي تحويها حقيقة واحدة إذا اشتبه طاهرها بنجسها وحلالها بحرامها ، فيفرّق فيها بين المحصور وغير المحصور بما تضمّنته تلك الأخبار ، لا وقوع الاشتباه كيف اتّفق (١) ، انتهى كلامه رفع مقامه.

المناقشة فيما أفاده صاحب الحدائق قدس‌سره

وفيه ـ بعد منع كون ما حكاه صاحب المدارك عن الأصحاب مختصّا بغير المحصور ، بل لو شكّ في وقوع النجاسة في الإناء أو ظهر الإناء ، فظاهرهم الحكم بطهارة الماء أيضا ، كما يدلّ عليه تأويلهم (٢) لصحيحة علي بن جعفر الواردة في الدم الغير المستبين في الماء بذلك (٣) ـ : أنّه لا وجه لما ذكره من اختصاص القاعدة.

أمّا أوّلا : فلعموم الأدلّة المذكورة ، خصوصا عمدتها وهي أدلّة الاجتناب عن العناوين المحرّمة الواقعيّة ـ كالنجس والخمر ومال الغير وغير ذلك ـ بضميمة حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل.

وأمّا ثانيا : فلأنّه لا ضابطة لما ذكره من الاندراج تحت ماهيّة واحدة ، ولم يعلم الفرق بين تردّد النجس بين ظاهر الإناء وباطنه ، أو بين الماء وقطعة من الأرض ، أو بين الماء ومائع آخر ، أو بين مائعين مختلفي الحقيقة ، وبين تردّده بين ماءين أو ثوبين أو مائعين متّحدي الحقيقة.

نعم ، هنا شيء آخر : وهو أنّه هل يشترط في العنوان المحرّم

__________________

(١) الحدائق ١ : ٥١٧.

(٢) سيشير إلى هذا التأويل في الصفحة ٢٣٦.

(٣) الوسائل ١ : ١١٢ ، الباب ٨ من أبواب الماء المطلق ، الحديث الأوّل.

هل يشترط في المحترم الواقعي أن يكون على كلُ تقدير متعلّقاً لحكمٍ واحد؟

الواقعيّ أو النجس الواقعيّ المردّد بين المشتبهين ، أن يكون على كلّ تقدير متعلّقا لحكم واحد أم لا؟ مثلا : إذا كان أحد المشتبهين ثوبا والآخر مسجدا ؛ حيث إنّ المحرّم في أحدهما اللبس وفي الآخر السجدة ، فليس هنا خطاب جامع للنجس الواقعيّ ، بل العلم بالتكليف مستفاد من مجموع قول الشارع : «لا تلبس النجس في الصلاة» ، و «لا تسجد على النجس».

لو كان المحرّم على كل تقدير عنوانا غيره على التقدير الآخر

وأولى من ذلك بالإشكال : ما لو كان المحرّم على كلّ تقدير عنوانا غيره على التقدير الآخر ، كما لو دار الأمر بين كون أحد المائعين نجسا وكون الآخر مال الغير ؛ لإمكان تكلّف (١) إدراج الفرض الأوّل تحت خطاب «الاجتناب عن النجس» بخلاف الثاني.

وأولى من ذلك : ما لو تردّد الأمر بين كون هذه المرأة أجنبيّة أو كون هذا المائع خمرا.

لو تردّد الأمر بين كون هذه المرأة أجنبيّة أو هذا المائع خمرا

وتوهّم إدراج ذلك كلّه في وجوب الاجتناب عن الحرام ، مدفوع : بأنّ الاجتناب عن الحرام عنوان ينتزع من الأدلّة المتعلّقة بالعناوين الواقعيّة ، فالاعتبار بها لا به ، كما لا يخفى.

الأقوى عدم جواز المخالفة القطعيّة في جميع ذلك

والأقوى : أنّ المخالفة القطعيّة في جميع ذلك غير جائز ، ولا فرق عقلا وعرفا في مخالفة نواهي الشارع بين العلم التفصيليّ بخصوص ما خالفه وبين العلم الإجماليّ بمخالفة أحد النهيين ؛ ألا ترى أنّه لو ارتكب مائعا واحدا يعلم أنّه مال الغير أو نجس ، لم يعذر لجهله التفصيليّ بما خالفه ، فكذا حال من ارتكب النظر إلى المرأة وشرب المائع في المثال الأخير.

__________________

(١) لم ترد «تكلّف» في (ه).

والحاصل : أنّ النواهي الشرعيّة بعد الاطّلاع عليها بمنزلة نهي واحد عن عدّة امور ، فكما تقدّم أنّه لا يجتمع نهي الشارع عن أمر واقعيّ واحد كالخمر مع الإذن في ارتكاب المائعين المردّد بينهما الخمر ، فكذا لا يجتمع النهي عن عدّة امور مع الإذن في ارتكاب كلا الأمرين المعلوم وجود أحد تلك الامور فيهما.

الأقوى وجوب الموافقة القطعيّة أيضا

وأمّا الموافقة القطعيّة : فالأقوى أيضا وجوبها ؛ لعدم جريان أدلّة الحلّية ولا أدلّة البراءة عقليّها ونقليّها (١).

أمّا النقليّة : فلما تقدّم من استوائها بالنسبة إلى كلّ من المشتبهين ، وإبقاؤهما يوجب التنافي مع أدلّة تحريم العناوين الواقعيّة ، وإبقاء واحد على سبيل البدل غير جائز ؛ إذ بعد خروج كلّ منهما بالخصوص ليس الواحد لا بعينه فردا ثالثا يبقى تحت أصالة العموم.

وأمّا العقل ؛ فلمنع استقلاله في المقام بقبح مؤاخذة من ارتكب الحرام المردّد بين الأمرين ، بل الظاهر استقلال العقل في المقام ـ بعد عدم القبح المذكور ـ بوجوب دفع الضرر ، أعني العقاب المحتمل في ارتكاب أحدهما.

وبالجملة : فالظاهر عدم التفكيك في هذا المقام بين المخالفة القطعيّة والمخالفة الاحتماليّة ، فإمّا أن تجوّز الاولى وإمّا أن تمنع الثانية.

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ظ): «عقلها ونقلها».