درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۷: احتیاط ۱۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

والحاصل : أنّ النواهي الشرعيّة بعد الاطّلاع عليها بمنزلة نهي واحد عن عدّة امور ، فكما تقدّم أنّه لا يجتمع نهي الشارع عن أمر واقعيّ واحد كالخمر مع الإذن في ارتكاب المائعين المردّد بينهما الخمر ، فكذا لا يجتمع النهي عن عدّة امور مع الإذن في ارتكاب كلا الأمرين المعلوم وجود أحد تلك الامور فيهما.

الأقوى وجوب الموافقة القطعيّة أيضا

وأمّا الموافقة القطعيّة : فالأقوى أيضا وجوبها ؛ لعدم جريان أدلّة الحلّية ولا أدلّة البراءة عقليّها ونقليّها (١).

أمّا النقليّة : فلما تقدّم من استوائها بالنسبة إلى كلّ من المشتبهين ، وإبقاؤهما يوجب التنافي مع أدلّة تحريم العناوين الواقعيّة ، وإبقاء واحد على سبيل البدل غير جائز ؛ إذ بعد خروج كلّ منهما بالخصوص ليس الواحد لا بعينه فردا ثالثا يبقى تحت أصالة العموم.

وأمّا العقل ؛ فلمنع استقلاله في المقام بقبح مؤاخذة من ارتكب الحرام المردّد بين الأمرين ، بل الظاهر استقلال العقل في المقام ـ بعد عدم القبح المذكور ـ بوجوب دفع الضرر ، أعني العقاب المحتمل في ارتكاب أحدهما.

وبالجملة : فالظاهر عدم التفكيك في هذا المقام بين المخالفة القطعيّة والمخالفة الاحتماليّة ، فإمّا أن تجوّز الاولى وإمّا أن تمنع الثانية.

__________________

(١) في (ر) ، (ص) و (ظ): «عقلها ونقلها».

الثاني

هل تختصّ المؤاخذة بصورة الوقوع في الحرام ، أم لا؟

أنّ وجوب الاجتناب عن كلّ من المشتبهين ، هل هو بمعنى لزوم الاحتراز عنه حذرا من الوقوع في المؤاخذة بمصادفة ما ارتكبه للحرام الواقعيّ ؛ فلا مؤاخذة إلاّ على تقدير الوقوع في الحرام ، أو هو بمعنى لزوم الاحتراز عنه من حيث إنّه مشتبه ؛ فيستحقّ المؤاخذة بارتكاب أحدهما ولو لم يصادف الحرام ، ولو ارتكبهما استحقّ عقابين؟

الأقوى الاختصاص والدليل عليه

فيه وجهان ، بل قولان. أقواهما : الأوّل ؛ لأنّ حكم العقل بوجوب دفع الضرر ـ بمعنى العقاب المحتمل بل المقطوع ـ حكم إرشاديّ ، وكذا لو فرض أمر الشارع بالاجتناب عن عقاب محتمل أو مقطوع بقوله : «تحرّز عن الوقوع في معصية النهي عن الزنا» ، لم يكن إلاّ إرشاديّا ، ولم يترتّب على موافقته ومخالفته سوى خاصيّة نفس المأمور به وتركه ، كما هو شأن الطلب الإرشاديّ.

وإلى هذا المعنى أشار صلوات الله عليه بقوله : «اتركوا ما لا بأس به حذرا عمّا به البأس» (١) ، وقوله : «من ارتكب الشبهات

__________________

(١) لم نعثر عليه بعينه ، نعم ورد ما يقرب منه في البحار ٧٧ : ١٦٦ ، الحديث ١٩٢.

وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم» (١).

لا فرق بين الاستناد إلى حكم العقل أو حكم الشرع

ومن هنا ظهر : أنّه لا فرق في ذلك بين الاستناد في وجوب الاجتناب إلى حكم العقل وبين الاستناد فيه إلى حكم الشرع بوجوب الاحتياط.

وأمّا حكمهم بوجوب دفع الضرر المظنون شرعا واستحقاق العقاب على تركه وإن لم يصادف الواقع ، فهو خارج عمّا نحن فيه ؛ لأنّ الضرر الدنيويّ ارتكابه مع العلم حرام شرعا ، والمفروض أنّ الظنّ في باب الضرر طريق شرعيّ إليه ، فالمقدم مع الظنّ كالمقدم مع القطع مستحقّ للعقاب ، كما لو ظنّ سائر المحرّمات بالظنّ المعتبر.

نعم ، لو شكّ في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الإباحة وعدم الضرر ؛ لعدم استحالة ترخيص الشارع في الإقدام (٢) على الضرر الدنيويّ المقطوع إذا كان في الترخيص مصلحة اخرويّة ، فيجوز ترخيصه في الإقدام (٣) على المحتمل لمصلحة ولو كانت تسهيل الأمر على المكلّف بوكول الإقدام على إرادته. وهذا بخلاف الضرر الاخرويّ ؛ فإنّه على تقدير ثبوته واقعا يقبح من الشارع الترخيص فيه.

نعم ، وجوب دفعه عقليّ ولو مع الشكّ ، لكن لا يترتّب على ترك دفعه إلاّ نفسه على تقدير ثبوته واقعا ، حتّى أنّه لو قطع به ثمّ لم يدفعه واتّفق عدمه واقعا لم يعاقب عليه إلاّ من باب التجرّي ، وقد تقدّم في المقصد الأوّل ـ المتكفّل لبيان مسائل حجيّة القطع ـ الكلام فيه (٤) ،

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١٤ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩.

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ): «بالإقدام».

(٣) في (ر) ، (ص) و (ظ): «بالإقدام».

(٤) راجع مبحث القطع ١ : ٣٧.