درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۸۸: احتیاط ۱۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

وقع في المحرّمات وهلك من حيث لا يعلم» (١).

لا فرق بين الاستناد إلى حكم العقل أو حكم الشرع

ومن هنا ظهر : أنّه لا فرق في ذلك بين الاستناد في وجوب الاجتناب إلى حكم العقل وبين الاستناد فيه إلى حكم الشرع بوجوب الاحتياط.

وأمّا حكمهم بوجوب دفع الضرر المظنون شرعا واستحقاق العقاب على تركه وإن لم يصادف الواقع ، فهو خارج عمّا نحن فيه ؛ لأنّ الضرر الدنيويّ ارتكابه مع العلم حرام شرعا ، والمفروض أنّ الظنّ في باب الضرر طريق شرعيّ إليه ، فالمقدم مع الظنّ كالمقدم مع القطع مستحقّ للعقاب ، كما لو ظنّ سائر المحرّمات بالظنّ المعتبر.

نعم ، لو شكّ في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الإباحة وعدم الضرر ؛ لعدم استحالة ترخيص الشارع في الإقدام (٢) على الضرر الدنيويّ المقطوع إذا كان في الترخيص مصلحة اخرويّة ، فيجوز ترخيصه في الإقدام (٣) على المحتمل لمصلحة ولو كانت تسهيل الأمر على المكلّف بوكول الإقدام على إرادته. وهذا بخلاف الضرر الاخرويّ ؛ فإنّه على تقدير ثبوته واقعا يقبح من الشارع الترخيص فيه.

نعم ، وجوب دفعه عقليّ ولو مع الشكّ ، لكن لا يترتّب على ترك دفعه إلاّ نفسه على تقدير ثبوته واقعا ، حتّى أنّه لو قطع به ثمّ لم يدفعه واتّفق عدمه واقعا لم يعاقب عليه إلاّ من باب التجرّي ، وقد تقدّم في المقصد الأوّل ـ المتكفّل لبيان مسائل حجيّة القطع ـ الكلام فيه (٤) ،

__________________

(١) الوسائل ١٨ : ١١٤ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٩.

(٢) في (ر) ، (ص) و (ظ): «بالإقدام».

(٣) في (ر) ، (ص) و (ظ): «بالإقدام».

(٤) راجع مبحث القطع ١ : ٣٧.

وسيجيء أيضا (١).

فإن قلت : قد ذكر العدليّة في الاستدلال على وجوب شكر المنعم : أنّ في تركه احتمال المضرّة ، وجعلوا ثمرة وجوب شكر المنعم وعدم وجوبه : استحقاق العقاب على ترك الشكر لمن لم يبلغه دعوة نبيّ زمانه ، فيدلّ ذلك على استحقاق العقاب بمجرّد ترك دفع الضرر الاخرويّ المحتمل.

قلت : حكمهم باستحقاق العقاب على ترك الشكر بمجرّد احتمال الضرر في تركه ، لأجل مصادفة الاحتمال للواقع ؛ فإنّ الشكر لمّا علمنا بوجوبه عند الشارع وترتّب العقاب على تركه ، فإذا احتمل العاقل العقاب على تركه ، فإن قلنا بحكومة العقل في مسألة «دفع الضرر المحتمل» صحّ عقاب تارك الشكر ؛ من أجل إتمام الحجّة عليه بمخالفة عقله ، وإلاّ فلا ، فغرضهم : أنّ ثمرة حكومة العقل بدفع الضرر المحتمل إنّما يظهر في الضرر الثابت شرعا مع عدم العلم به من طريق الشرع ، لا أنّ الشخص يعاقب بمخالفة العقل وإن لم يكن ضرر في الواقع ، وقد تقدّم في بعض مسائل الشبهة التحريميّة شطر من الكلام في ذلك.

التمسّك للحرمة في المسألة بكونه تجرّيا والمناقشة فيه

وقد يتمسّك لإثبات الحرمة في المقام بكونه تجرّيا ، فيكون قبيحا عقلا ، فيحرم شرعا.

وقد تقدّم في فروع حجيّة العلم : الكلام على (٢) حرمة التجرّي

__________________

(١) انظر الصفحة ٣٠٦.

(٢) كذا في النسخ.

حتّى مع القطع بالحرمة إذا كان مخالفا للواقع ، كما أفتى به في التذكرة فيما إذا اعتقد ضيق الوقت فأخّر وانكشف بقاء الوقت (١) ، وإن تردّد في النهاية (٢).

التمسّك بالأدلّة الشرعيّة الدالّة على الاحتياط والمناقشة فيه أيضا

وأضعف من ذلك : التمسّك بالأدلّة الشرعيّة الدالّة على الاحتياط ؛ لما تقدّم : من أنّ الظاهر من مادّة «الاحتياط» التحرّز عن الوقوع في الحرام ، كما يوضح ذلك النبويّان السابقان (٣) ، وقولهم صلوات الله عليهم : «إنّ الوقوف عند الشبهة أولى من الاقتحام في الهلكة» (٤).

__________________

(١) التذكرة ٢ : ٣٩١.

(٢) انظر نهاية الوصول (مخطوط) : ١١ و ٩٤.

(٣) السابقان في الصفحة ٢٢٩ ، يعني قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «اتركوا ما لا بأس به ... الخ» ، وقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «من ارتكب الشبهات ... الخ».

(٤) الوسائل ١٨ : ١١٢ ، الباب ١٢ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ٢.