درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۰۰: احتیاط ۲۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

في الوقائع المجهولة الغير (١) المحصورة ، فلو اخرجت هذه الشبهة عن أخبار الحلّ لم يبق تحتها من الأفراد إلاّ النادر ، وهو لا يناسب مساق هذه الأخبار ، فتدبّر.

٤ ـ بعض الأخبار في خصوص المسألة

الوجه الرابع : بعض الأخبار الدالّة على أنّ مجرّد العلم بوجود الحرام بين المشتبهات لا يوجب الاجتناب عن جميع ما يحتمل كونه حراما ، مثل ما في (٢) محاسن البرقي ، عن أبي الجارود ، قال :

رواية أبي الجارود

«سألت أبا جعفر عليه‌السلام عن الجبن ، فقلت : أخبرني من رأى أنّه يجعل فيه الميتة ، فقال : أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرّم جميع ما في الأرض؟! فما علمت فيه ميتة فلا تأكله ، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل ، والله إنّي لأعترض السوق فأشتري اللحم والسّمن والجبن ، والله ما أظنّ كلّهم يسمّون ، هذه البربر وهذه السودان ... الخبر» (٣).

فإنّ قوله : «أمن أجل مكان واحد ... الخبر» ظاهر في أنّ مجرّد العلم بوجود الحرام لا يوجب الاجتناب عن محتملاته.

وكذا قوله عليه‌السلام : «والله ما أظنّ كلّهم يسمّون» ؛ فإنّ الظاهر منه إرادة العلم بعدم تسمية جماعة حين الذبح ، كالبربر والسودان.

__________________

(١) في (ت) و (ه): «بغير».

(٢) في (ت) و (ظ): «عن».

(٣) المحاسن ٢ : ٢٩٦ ، الحديث ١٩٧٦ ، والوسائل ١٧ : ٩١ ، الباب ٦١ من أبواب الأطعمة المباحة ، الحديث ٥ ، وليست للحديث تتمّة.

إلاّ أن يدّعى : أنّ المراد أنّ جعل الميتة في الجبن في مكان واحد لا يوجب الاجتناب عن جبن غيره من الأماكن ، ولا كلام في ذلك ، لا أنّه لا يوجب الاجتناب عن كلّ جبن يحتمل أن يكون من ذلك المكان ، فلا دخل له بالمدّعى.

وأمّا قوله : «ما أظنّ كلّهم يسمّون» ، فالمراد منه عدم وجوب الظنّ أو القطع بالحلّية ، بل يكفي أخذها من سوق المسلمين ؛ بناء على أنّ السوق أمارة شرعيّة لحلّ الجبن المأخوذ منه ولو من يد مجهول الإسلام.

إلاّ أن يقال : إنّ سوق المسلمين غير معتبر مع العلم الإجماليّ بوجود الحرام ، فلا مسوّغ للارتكاب إلاّ كون الشبهة غير محصورة ، فتأمّل.

الوجه الخامس :

٥ ـ أصالة البراءة

أصالة البراءة ؛ بناء على أنّ المانع من إجرائها ليس إلاّ العلم الإجماليّ بوجود الحرام ، لكنّه إنّما يوجب الاجتناب عن محتملاته من باب المقدّمة العلميّة ، التي لا تجب إلاّ لأجل وجوب دفع الضرر وهو العقاب المحتمل في فعل كلّ واحد من المحتملات ، وهذا لا يجري في المحتملات الغير المحصورة ؛ ضرورة أنّ كثرة الاحتمال توجب عدم الاعتناء بالضرر المعلوم وجوده بين المحتملات.

ألا ترى الفرق الواضح بين العلم بوجود السمّ في أحد إناءين أو واحد (١) من ألفي إناء؟ وكذلك بين قذف أحد الشخصين لا بعينه

__________________

(١) كذا في النسخ ، والأنسب : «وواحد».

وبين قذف واحد من أهل بلد؟ فإنّ الشخصين كليهما (١) يتأثّران بالأوّل ولا يتأثّر أحد من أهل البلد بالثاني.

وكذا الحال : لو أخبر شخص بموت الشخص المردّد بين ولده وشخص آخر ، وبموت المردّد بين ولده وبين كلّ واحد من أهل بلده ؛ فإنّه لا يضطرب خاطره في الثاني أصلا.

وإن شئت قلت : إنّ ارتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء إلاّ كارتكاب الشبهة الغير المقرونة بالعلم الإجماليّ.

وكأنّ ما ذكره الإمام عليه‌السلام في الرواية المتقدّمة (٢) من قوله : «أمن أجل مكان واحد ... الخبر» ـ بناء على الاستدلال به ـ إشارة إلى هذا المعنى ؛ حيث إنّه جعل كون حرمة الجبن في مكان واحد منشأ لحرمة جميع محتملاته الغير المحصورة ، من المنكرات المعلومة عند العقلاء التي لا ينبغي للمخاطب أن يقبلها ؛ كما يشهد بذلك كلمة الاستفهام الإنكاريّ. لكن عرفت : أنّ فيه احتمالا آخر يتمّ معه الاستفهام الانكاريّ أيضا (٣).

وحاصل هذا الوجه

وحاصل هذا الوجه : أنّ العقل إذا لم يستقلّ بوجوب دفع العقاب المحتمل عند كثرة المحتملات ، فليس هنا ما يوجب على المكلّف الاجتناب عن كلّ محتمل ، فيكون عقابه حينئذ عقابا من دون برهان ؛

__________________

(١) كذا في (ت) و (ص) ، وفي غيرهما : «كلاهما».

(٢) المتقدّمة في الصفحة ٢٦٢.

(٣) راجع الصفحة السابقة.

فعلم من ذلك : أنّ الآمر اكتفى في المحرّم المعلوم إجمالا بين المحتملات ، بعدم العلم التفصيليّ بإتيانه ، ولم يعتبر العلم بعدم إتيانه ، فتأمّل.

الوجه السادس :

٦ ـ عدم الابتلاء إلاّ ببعض معيّن

أنّ الغالب عدم ابتلاء المكلّف إلاّ ببعض معيّن من محتملات الشبهة الغير المحصورة ويكون الباقي خارجا عن محلّ ابتلائه ، وقد تقدّم (١) عدم وجوب الاجتناب في مثله مع حصر الشبهة ، فضلا عن غير المحصورة.

المستفاد من الأدلّة المذكورة

هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به على حكم الشبهة الغير المحصورة ، وقد عرفت : أنّ أكثرها لا يخلو من منع أو قصور ، لكنّ المجموع منها لعلّه يفيد القطع أو الظنّ بعدم وجوب الاحتياط في الجملة. والمسألة فرعيّة يكتفى فيها بالظنّ.

إلاّ أنّ الكلام يقع في موارد :

__________________

(١) راجع الصفحة ٢٣٣ ـ ٢٣٤.