درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۰۲: احتیاط ۲۹

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الثاني

ضابط المحصور وغير المحصور

القول بأنّ المرجع فيه العرف والمناقشة فيه

اختلف عبارات الأصحاب في بيان ضابط المحصور وغيره : فعن الشهيد والمحقّق الثانيين (١) والميسيّ (٢) وصاحب المدارك (٣) : أنّ المرجع فيه إلى العرف ، فهو : ما (٤). كان غير محصور في العادة ، بمعنى أنّه يعسر عدّه ، لا ما امتنع عدّه ؛ لأنّ كلّ ما يوجد من الأعداد قابل للعدّ والحصر.

المناقشة في هذا القول

وفيه ـ مضافا إلى أنّه إنّما يتّجه إذا كان الاعتماد في عدم وجوب الاجتناب على الإجماع المنقول على جواز الارتكاب في غير المحصور ، أو على تحصيل الإجماع من اتّفاق من عبّر بهذه العبارة الكاشف عن إناطة الحكم في كلام المعصوم عليه‌السلام بها ـ : أنّ تعسّر العدّ غير متحقّق فيما مثّلوا به لغير المحصور كالألف مثلا ؛ فإنّ عدّ الألف لا يعدّ عسرا.

ما ذكره المحقّق الثاني من الضابط والمناقشة فيه

وربما قيّد المحقّق الثاني عسر العدّ بزمان قصير ، قال في فوائد الشرائع ـ كما عن حاشية الإرشاد (٥) ـ بعد أن ذكر أنّ غير المحصور من

__________________

(١) انظر روض الجنان : ٢٢٤ ، وحاشية الإرشاد للمحقّق الثاني (مخطوط) : ٤٠ ، وفوائد الشرائع (مخطوط) : الورقة ٢٤ ، وجامع المقاصد ٢ : ١٦٦.

(٢) الميسيّة للشيخ علي الميسي ، غير مطبوع ، ولم نعثر على مخطوطه ، نعم حكاه عنه في مفتاح الكرامة ٢ : ٢٥٣.

(٣) المدارك ٣ : ٢٥٣.

(٤) كذا في (ص) ، وفي غيرها : «فما».

(٥) حاشية الإرشاد (مخطوط) : ٤٠ ـ ٤١.

الحقائق العرفيّة :

كلام المحقّق الثاني في فوائد الشرائع

إنّ طريق ضبطه أن يقال : لا ريب أنّه إذا اخذ مرتبة عليا من مراتب العدد كألف مثلا ، قطع بأنّه ممّا لا يحصر ولا يعدّ عادة ؛ لعسر ذلك في الزمان القصير ، فيجعل طرفا ، ويؤخذ مرتبة اخرى دنيا جدّا كالثلاثة يقطع بأنّها محصورة ؛ لسهولة عدّها في الزمان اليسير ، وما بينهما من الوسائط كلّما جرى مجرى الطرف الأوّل الحق به ، وكذا ما جرى مجرى الطرف الثاني الحق به ، وما يعرض فيه الشكّ يعرض على القوانين والنظائر ، ويراجع فيه القلب ، فإن غلب على الظنّ إلحاقه بأحد الطرفين فذاك ، وإلاّ عمل فيه بالاستصحاب إلى أن يعلم الناقل.

وبهذا ينضبط كلّ ما ليس بمحصور شرعا في أبواب الطهارة والنكاح وغيرهما (١).

أقول : وللنظر فيما ذكره قدس‌سره مجال.

المناقشة فيما أفادة المحقّق الثاني

أمّا أوّلا : فلأنّ جعل الألف من غير المحصور مناف لما علّلوا عدم وجوب الاجتناب به : من لزوم العسر في الاجتناب ؛ فإنّا إذا فرضنا بيتا عشرين ذراعا في عشرين ذراعا ، وعلم بنجاسة جزء يسير منه يصحّ السجود عليه نسبته إلى البيت نسبة الواحد إلى الألف ، فأيّ عسر في الاجتناب عن هذا البيت والصلاة في بيت آخر؟ وأيّ فرق بين هذا الفرض ، وبين أن يعلم بنجاسة ذراع منه أو ذراعين ممّا يوجب حصر الشبهة؟ فإنّ سهولة الاجتناب وعسره لا يتفاوت بكون المعلوم إجمالا قليلا أو كثيرا. وكذا لو فرضنا أوقية من الطعام تبلغ ألف حبّة بل أزيد

__________________

(١) فوائد الشرائع (مخطوط) : الورقة ٢٤.

يعلم بنجاسة أو غصبيّة حبّة منها ، فإنّ جعل هذا من غير المحصور ينافي تعليل الرخصة فيه بتعسّر الاجتناب.

وأمّا ثانيا : فلأنّ ظنّ الفقيه بكون العدد المعيّن جاريا مجرى المحصور في سهولة الحصر أو مجرى غيره ، لا دليل عليه.

وأمّا ثالثا : فلعدم استقامة الرجوع في مورد الشكّ إلى الاستصحاب حتّى يعلم الناقل ؛ لأنّه إن اريد استصحاب الحلّ والجواز كما هو الظاهر من كلامه ، ففيه : أنّ الوجه المقتضي لوجوب الاجتناب (١) في المحصور ـ وهو وجوب المقدّمة العلميّة بعد العلم بحرمة الأمر الواقعيّ المردّد بين المشتبهات ـ قائم بعينه في غير المحصور ، والمانع غير معلوم ، فلا وجه للرجوع إلى الاستصحاب.

إلاّ أن يكون نظره إلى ما ذكرنا في الدليل الخامس من أدلّة عدم وجوب الاجتناب (٢) : من أنّ المقتضي لوجوب الاجتناب (٣) في الشبهة الغير المحصورة ـ وهو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ـ غير موجود ، وحينئذ فمرجع الشكّ في كون الشبهة محصورة أو غيرها إلى الشكّ في وجود المقتضي للاجتناب ، ومعه يرجع إلى أصالة الجواز.

لكنّك عرفت التأمّل في ذلك الدليل (٤) ، فالأقوى : وجوب الرجوع مع الشكّ إلى أصالة الاحتياط ؛ لوجود المقتضي وعدم المانع.

__________________

(١) في (ظ): «الاحتياط».

(٢) راجع الصفحة ٢٦٣.

(٣) في (ر) ، (ص) و (ظ): «الاحتياط».

(٤) راجع الصفحة ٢٦٥.

وكيف كان : فما ذكروه : من إحالة غير المحصورة وتميّزه (١) إلى العرف ، لا يوجب إلاّ زيادة التحيّر في موارد الشكّ.

ما ذكره الفاضل الهندي من الضابط والمناقشة فيه

وقال كاشف اللثام في مسألة المكان المشتبه بالنجس : لعلّ الضابط أنّ ما يؤدّي اجتنابه إلى ترك الصلاة غالبا فهو غير محصور ، كما أنّ اجتناب شاة أو امرأة مشتبهة في صقع من الأرض يؤدّي إلى الترك غالبا (٢) ، انتهى. واستصوبه في مفتاح الكرامة (٣).

وفيه : ما لا يخفى من عدم الضبط.

الضابط بنظر المصنّف

ويمكن أن يقال ـ بملاحظة ما ذكرنا في الوجه الخامس ـ : إنّ غير المحصور ما بلغ كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى حيث لا يعتني العقلاء بالعلم الإجماليّ الحاصل فيها ؛ ألا ترى : أنّه لو نهى المولى عبده عن المعاملة مع زيد فعامل العبد مع واحد من أهل قرية كبيرة يعلم بوجود زيد فيها ، لم يكن ملوما وإن صادف زيدا؟

وقد ذكرنا : أنّ المعلوم بالإجمال قد يؤثّر مع قلّة الاحتمال ما لا يؤثّر (٤) مع الانتشار وكثرة الاحتمال ، كما قلناه في سبّ واحد مردّد بين اثنين أو ثلاثة ، و (٥) مردّد بين أهل بلدة.

__________________

(١) في (ت) بدل «تميّزه» : «تمييزه» ، وفي (ظ) بدل «غير المحصورة وتميّزه» : «تميّز المحصور عن غيره».

(٢) كشف اللثام ٣ : ٣٤٩.

(٣) مفتاح الكرامة ٢ : ٢٥٣.

(٤) في (ر) ، (ظ) و (ه): «لا يؤثّره».

(٥) في (ت) و (ص): «أو».