درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۰۸: احتیاط ۳۵

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

نعم ، لو فرض حصول الإجماع أو ورود النصّ على وجوب شيء معيّن عند الله تعالى مردّد عندنا بين امور من دون اشتراطه بالعلم به ـ المستلزم ذلك الفرض لإسقاط قصد التعيين في الطاعة ـ لتمّ ذلك ، ولكن لا يحسن حينئذ قوله ـ يعني المحقّق الخوانساري ـ : فلا يبعد حينئذ القول بوجوب الاحتياط ، بل لا بدّ من القول باليقين والجزم بالوجوب.

ولكن ، من أين هذا الفرض؟ وأنّى يمكن إثباته؟ (١) ، انتهى كلامه ، رفع مقامه.

ظاهر بعض كلمات المحقّق الخوانساري عدم وجوب الاحتياط أيضاً

وما ذكره قدّس الله سرّه قد وافق فيه بعض كلمات ذلك المحقّق ، التي ذكرها في مسألة الاستنجاء بالأحجار ، حيث قال بعد كلام له :

والحاصل : إذا ورد نصّ أو إجماع على وجوب شيء معيّن معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معيّنة معلومة عندنا ، فلا بدّ من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظنّ بوجود ذلك الشيء المعلوم حتّى يتحقّق الامتثال.

إلى أن قال :

وكذا إذا ورد نصّ أو إجماع على وجوب شيء معيّن في الواقع مردّد في نظرنا بين امور ، ويعلم أنّ ذلك التكليف غير مشروط بشيء من العلم بذلك الشيء مثلا ، أو على ثبوت حكم إلى غاية معيّنة في الواقع مردّدة عندنا بين أشياء ويعلم أيضا عدم اشتراطه بالعلم ، وجب الحكم بوجوب تلك الأشياء المردّد فيها في نظرنا ، وبقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الأشياء ، ولا يكفي الإتيان بواحد منها في سقوط التكليف ،

__________________

(١) القوانين ٢ : ٣٧.

وكذا حصول شيء واحد من الأشياء في ارتفاع الحكم المعيّن (١).

إلى أن قال :

وأمّا إذا لم يكن كذلك ، بل ورد نصّ مثلا على أنّ الواجب الشيء الفلانيّ ، ونصّ آخر على أنّ هذا الواجب شيء آخر ، أو ذهب بعض الامّة إلى وجوب شيء ، وبعض آخر إلى وجوب شيء آخر دونه ، وظهر بالنصّ والإجماع في الصورتين أنّ ترك ذينك الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب ، فحينئذ لم يظهر وجوب الإتيان بهما حتّى يتحقّق الامتثال ، بل الظاهر الاكتفاء بواحد منهما ، سواء اشتركا في أمر أو تباينا بالكلّية.

وكذا الكلام في ثبوت الحكم إلى غاية معيّنة (٢) ، انتهى كلامه ، رفع مقامه.

وأنت خبير بما في هذه الكلمات من النظر.

المناقشة في كلمات المحقّق القميّ قدس‌سره

أمّا ما ذكره الفاضل القمّي رحمه‌الله : من حديث التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة ، فلا دخل له في المقام ؛ إذ لا إجمال في الخطاب أصلا ، وإنّما طرأ الاشتباه في المكلّف به من جهة تردّد ذلك الخطاب المبيّن بين أمرين ، وإزالة هذا التردّد العارض من جهة أسباب اختفاء الأحكام غير واجبة على الحكيم تعالى حتّى يقبح تأخيره عن وقت الحاجة ، بل يجب عند هذا الاختفاء الرجوع إلى ما قرّره الشارع كلّية في الوقائع المختفية ، وإلاّ فما يقتضيه العقل من البراءة والاحتياط.

__________________

(١) في (ص) و (ظ) بدل «المعيّن» : «المغيّى».

(٢) مشارق الشموس : ٧٧.

ونحن ندّعي أنّ العقل حاكم ـ بعد العلم بالوجوب والشكّ في الواجب ، وعدم الدليل من الشارع على الأخذ بأحد الاحتمالين المعيّن أو المخيّر والاكتفاء به من الواقع ـ بوجوب الاحتياط ؛ حذرا من ترك الواجب الواقعي ، وأين ذلك من مسألة التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة؟

مع أنّ التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت العمل لا دليل على قبحه إذا تمكّن المكلّف من الإطاعة ولو بالاحتياط.

وأمّا ما ذكره تبعا للمحقّق المذكور : من تسليم وجوب الاحتياط إذا قام الدليل على وجوب شيء معيّن في الواقع غير مشروط بالعلم به ، ففيه :

أنّه إذا كان التكليف بالشيء قابلا لأن يقع مشروطا بالعلم ولأن يقع منجّزا غير مشروط بالعلم بالشيء (١) ، كان ذلك اعترافا بعدم قبح التكليف بالشيء المعيّن المجهول ، فلا يكون العلم شرطا عقليّا ، وأمّا اشتراط التكليف به شرعا فهو غير معقول بالنسبة إلى الخطاب الواقعي ، فإنّ الخطاب الواقعي في يوم الجمعة ـ سواء فرض قوله : «صلّ الظهر» ، أم فرض قوله : «صلّ الجمعة» ـ لا يعقل أن يشترط بالعلم بهذا الحكم التفصيلي.

نعم ، بعد اختفاء هذا الخطاب المطلق يصحّ أن يرد خطاب مطلق ، كقوله : «اعمل بذلك الخطاب ولو كان عندك مجهولا ، وائت بما فيه ولو كان غير معلوم» ، كما يصحّ أن يرد خطاب مشروط ، وأنّه لا يجب

__________________

(١) في (ظ) بدل «بالشيء» : به.