درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۰۹: احتیاط ۳۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ونحن ندّعي أنّ العقل حاكم ـ بعد العلم بالوجوب والشكّ في الواجب ، وعدم الدليل من الشارع على الأخذ بأحد الاحتمالين المعيّن أو المخيّر والاكتفاء به من الواقع ـ بوجوب الاحتياط ؛ حذرا من ترك الواجب الواقعي ، وأين ذلك من مسألة التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة؟

مع أنّ التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت العمل لا دليل على قبحه إذا تمكّن المكلّف من الإطاعة ولو بالاحتياط.

وأمّا ما ذكره تبعا للمحقّق المذكور : من تسليم وجوب الاحتياط إذا قام الدليل على وجوب شيء معيّن في الواقع غير مشروط بالعلم به ، ففيه :

أنّه إذا كان التكليف بالشيء قابلا لأن يقع مشروطا بالعلم ولأن يقع منجّزا غير مشروط بالعلم بالشيء (١) ، كان ذلك اعترافا بعدم قبح التكليف بالشيء المعيّن المجهول ، فلا يكون العلم شرطا عقليّا ، وأمّا اشتراط التكليف به شرعا فهو غير معقول بالنسبة إلى الخطاب الواقعي ، فإنّ الخطاب الواقعي في يوم الجمعة ـ سواء فرض قوله : «صلّ الظهر» ، أم فرض قوله : «صلّ الجمعة» ـ لا يعقل أن يشترط بالعلم بهذا الحكم التفصيلي.

نعم ، بعد اختفاء هذا الخطاب المطلق يصحّ أن يرد خطاب مطلق ، كقوله : «اعمل بذلك الخطاب ولو كان عندك مجهولا ، وائت بما فيه ولو كان غير معلوم» ، كما يصحّ أن يرد خطاب مشروط ، وأنّه لا يجب

__________________

(١) في (ظ) بدل «بالشيء» : به.

عليك ما اختفى عليك من التكليف في يوم الجمعة ، وأنّ وجوب امتثاله عليك مشروط بعلمك به تفصيلا.

ومرجع الأوّل إلى الأمر بالاحتياط ، ومرجع الثاني إلى البراءة عن الكلّ إن أفاد نفي وجوب الواقع رأسا المستلزم لجواز المخالفة القطعيّة ، وإلى (١) نفي ما علم إجمالا بوجوبه. وإن أفاد نفي وجوب القطع بإتيانه وكفاية إتيان بعض ما يحتمله ، فمرجعه إلى جعل البدل للواقع والبراءة عن إتيان الواقع على ما هو عليه.

لكنّ دليل البراءة على الوجه الأوّل ينافي العلم الإجمالي المعتبر بنفس أدلّة البراءة المغيّاة بالعلم ، وعلى الوجه الثاني غير موجود ، فيلزم من هذين الأمرين ـ أعني وجوب مراعاة العلم الإجمالي وعدم وجود دليل على قيام أحد المحتملين مقام المعلوم إجمالا ـ أن يحكم العقل بوجوب الاحتياط ؛ إذ لا ثالث لذينك الأمرين ، فلا حاجة إلى أمر الشارع بالاحتياط ، ووجوب الإتيان بالواقع غير مشروط بالعلم التفصيليّ به ، مضافا إلى ورود الأمر بالاحتياط في كثير من الموارد.

وأمّا ما ذكره : من استلزام ذلك الفرض ـ أعني تنجّز (٢) التكليف بالأمر المردّد من دون اشتراط بالعلم به ـ لإسقاط قصد التعيين في الطاعة ، ففيه :

أنّ سقوط قصد التعيين إنّما حصل بمجرّد التردّد والإجمال في الواجب ، سواء قلنا فيه بالبراءة أو الاحتياط ، وليس لازما لتنجّز

__________________

(١) شطبت «إلى» في (ت) و (ه).

(٢) في (ر) ، (ص) و (ه): «تنجيز».

التكليف بالواقع وعدم اشتراطه بالعلم.

إذا سقط قصد التعيين فبأيّهما ينوي الوجوب والقربة؟

فإن قلت : إذا سقط قصد التعيين لعدم التمكّن ، فبأيّهما ينوي الوجوب والقربة؟

قلت : له في ذلك طريقان :

أحدهما : أن ينوي بكلّ منهما الوجوب والقربة ؛ لكونه بحكم العقل مأمورا بالإتيان بكلّ منهما.

وثانيهما : أن ينوي بكلّ منهما حصول الواجب به أو بصاحبه تقرّبا إلى الله ، فيفعل كلا منهما ، فيحصل الواجب الواقعيّ ، وتحصيله لوجوبه والتقرّب به إلى الله تعالى ، فيقصد (١) أنّي اصلّي الظهر لأجل تحقّق الفريضة الواقعيّة به أو بالجمعة التي أفعل بعدها أو فعلت قبلها قربة إلى الله ، وملخّص ذلك : أنّي اصلّي الظهر احتياطا قربة إلى الله.

وهذا الوجه هو الذي ينبغي أن يقصد.

ولا يرد عليه : أنّ المعتبر في العبادة قصد التقرّب والتعبّد بها بالخصوص ، ولا ريب أنّ كلا من الصلاتين عبادة ، فلا معنى لكون الداعي في كلّ منهما التقرّب المردّد بين تحقّقه به أو بصاحبه ؛ لأنّ القصد المذكور إنّما هو معتبر في العبادات الواقعيّة دون المقدميّة.

وأمّا الوجه الأوّل ، فيرد عليه : أنّ المقصود إحراز الوجه الواقعي ، وهو الوجوب الثابت في أحدهما المعيّن ، ولا يلزم من نيّة الوجوب المقدّميّ قصده.

وأيضا : فالقربة غير حاصلة بنفس فعل أحدهما ولو بملاحظة

__________________

(١) في (ت) ، (ظ) و (ه): «فيتصوّر».

وجوبه الظاهريّ ؛ لأنّ هذا الوجوب مقدميّ ومرجعه إلى وجوب تحصيل العلم بفراغ الذمّة ، ودفع احتمال ترتّب ضرر العقاب بترك بعض منهما ، وهذا الوجوب إرشاديّ لا تقرّب فيه أصلا ، نظير أوامر الإطاعة ؛ فإنّ امتثالها لا يوجب تقرّبا ، وإنّما المقرّب نفس الإطاعة ، والمقرّب هنا ـ أيضا ـ نفس الإطاعة (١) الواقعيّة المردّدة بين الفعلين ، فافهم ؛ فإنّه لا يخلو عن دقّة.

توهّم أنّ الجمع بين المحتملين مستلزم لإتيان غير الواجب على جهة العبادة ، ودفعه

وممّا ذكرنا يندفع توهّم : أنّ الجمع بين المحتملين مستلزم لإتيان غير الواجب على جهة العبادة ؛ لأنّ قصد القربة المعتبر (٢) في الواجب الواقعيّ لازم المراعاة في كلا المحتملين ـ ليقطع بإحرازه في الواجب الواقعيّ ـ ومن المعلوم أنّ الإتيان بكلّ من المحتملين بوصف أنّها عبادة مقرّبة ، يوجب التشريع بالنسبة إلى ما عدا الواجب الواقعيّ فيكون محرّما ، فالاحتياط غير ممكن في العبادات ، وإنّما يمكن في غيرها ؛ من جهة أنّ الإتيان بالمحتملين لا يعتبر فيهما قصد التعيين والتقرّب ؛ لعدم اعتباره في الواجب الواقعي المردّد ، فيأتي بكلّ منهما لاحتمال وجوبه.

الدفاع التوهّم

ووجه اندفاع هذا التوهّم ، مضافا إلى أنّ غاية ما يلزم من ذلك عدم التمكّن من تمام الاحتياط في العبادات حتّى (٣) من حيث مراعاة قصد التقرّب المعتبر في الواجب الواقعي ـ من جهة استلزامه للتشريع المحرّم ـ ، فيدور الأمر بين الاقتصار على أحد المحتملين ، وبين الإتيان

__________________

(١) «والمقرّب هنا أيضا نفس الإطاعة» من (ص) و (ر).

(٢) في (ت) ، (ص) و (ظ): «المعتبرة».

(٣) لم ترد «حتّى» في (ظ).