درس فرائد الاصول - برائت

جلسه ۱۱۷: احتیاط ۴۴

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

أمّا مسائل القسم الأوّل ، وهو الشكّ في الجزء الخارجيّ :

فالاولى منها

أن يكون ذلك مع عدم النصّ المعتبر في المسألة

الشكّ في الجزئيّة من جهة فقدان النصّ

فيكون ناشئا من ذهاب جماعة إلى جزئيّة الأمر الفلانيّ ، كالاستعاذة قبل القراءة في الركعة الاولى ـ مثلا ـ على ما ذهب إليه بعض فقهائنا (١).

وقد اختلف في وجوب الاحتياط هنا ، فصرّح بعض متأخّري المتأخّرين بوجوبه (٢) ، وربما يظهر من كلام بعض القدماء كالسيّد (٣) والشيخ (٤) ، لكن لم يعلم كونه مذهبا لهما ، بل ظاهر كلماتهم (٥) الأخر

__________________

(١) هو المفيد الثاني (ولد الشيخ الطوسي) ، على ما حكاه عنه الشهيد في الذكرى (الطبعة الحجريّة) : ١٩١ ، وانظر مفتاح الكرامة ٢ : ٣٩٩.

(٢) كالمحقّق السبزواري في ذخيرة المعاد : ٢٧٣ ، وشريف العلماء على ما في ضوابط الاصول : ٣٢٦ ، والشيخ محمد تقي في هداية المسترشدين : ٤٤٩ ، والسيد المجاهد في مفاتيح الاصول : ٥٢٨.

(٣) انظر الانتصار : ١٤٦ و ١٤٨ ـ ١٤٩.

(٤) انظر الخلاف ١ : ١٨٢ ، المسألة ١٣٨.

(٥) في (ظ): «كلماته».

خلافه (١).

المشهور إجراء أصالة البراءة في المسألة

وصريح جماعة إجراء أصالة البراءة وعدم وجوب الاحتياط ، والظاهر : أنّه المشهور بين العامّة (٢) والخاصّة ، المتقدّمين منهم والمتأخّرين ، كما يظهر من تتبّع كتب القوم ، كالخلاف (٣) والسرائر (٤) وكتب الفاضلين (٥) والشهيدين (٦) والمحقّق الثاني (٧) ومن تأخّر عنهم (٨).

بل الإنصاف : أنّه لم أعثر في كلمات من تقدّم على المحقّق السبزواريّ ، على من يلتزم بوجوب الاحتياط في الأجزاء والشرائط وإن كان فيهم من يختلف كلامه في ذلك ، كالسيّد (٩) والشيخ (١٠) والشهيد (١١) قدس سرهم.

المختار جريان البراءة

وكيف كان : فالمختار جريان أصل البراءة.

__________________

(١) انظر الذريعة ٢ : ٨٣٣ ، والعدّة ٢ : ٧٥٣.

(٢) راجع الإحكام في اصول الأحكام لابن حزم ٥ : ٤٧ ، وتفسير القرطبي ٦ : ٨٤.

(٣) الخلاف ١ : ٨٥ ، المسألة ٣٥.

(٤) السرائر ١ : ٢٣٢.

(٥) انظر المعارج : ٢١٦ ـ ٢١٧ ، والمعتبر ١ : ٣٢ ، والمختلف ١ : ٤٩٥.

(٦) انظر القواعد والفوائد ١ : ١٣٢ ، والذكرى ١ : ٥٣ ، وتمهيد القواعد : ٢٧١.

(٧) انظر جامع المقاصد ٢ : ٢١٩ و ٣٢٨.

(٨) كالوحيد البهبهاني في الفوائد الحائرية : ٤٤١ ـ ٤٤٢ ، والمحقق القمّي في القوانين ٢ : ٣٠ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٥١ و ٣٥٧ ، والفاضل النراقي في المناهج : ٢٢١.

(٩) كما عرفت من الانتصار والذريعة.

(١٠) كما عرفت من الخلاف والعدّة.

(١١) في (ر) و (ص): «بل الشهيدين» وفي (ظ): «بل الشهيد».

لنا على ذلك : حكم العقل وما ورد من النقل.

الاستدلال عليه من العقل

أمّا العقل : فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلّف بمركّب لم يعلم من أجزائه إلاّ عدّة أجزاء ، ويشكّ في أنّه هو هذا أو له جزء آخر وهو الشيء الفلانيّ ، ثمّ بذل جهده في طلب الدليل على جزئيّة ذلك الأمر فلم يقتدر ، فأتى بما علم وترك المشكوك ، خصوصا مع اعتراف المولى بأنّي ما نصبت لك عليه دلالة ، فإنّ القائل بوجوب الاحتياط لا ينبغي أن يفرّق في وجوبه بين أن يكون الآمر لم ينصب دليلا أو نصب واختفى ، غاية الأمر : أنّ ترك النصب من الآمر قبيح ، وهذا لا يرفع التكليف بالاحتياط عن المكلّف.

فإن قلت : إنّ بناء العقلاء على وجوب الاحتياط في الأوامر العرفيّة الصادرة من الأطبّاء أو الموالي ؛ فإنّ الطبيب إذا أمر المريض بتركيب معجون فشكّ في جزئيّة شيء له مع العلم بأنّه غير ضارّ له ، فتركه المريض مع قدرته عليه ، استحقّ اللوم. وكذا المولى إذا أمر عبده بذلك.

قلت : أمّا أوامر الطبيب ، فهي إرشاديّة ليس المطلوب فيها إلاّ إحراز الخاصيّة المترتّبة على ذات المأمور به ، ولا نتكلّم فيها من حيث الإطاعة والمعصية ؛ ولذا لو كان بيان ذلك الدواء بجملة خبريّة غير طلبيّة (١) ، كان اللازم مراعاة الاحتياط فيها وإن لم يترتّب على مخالفته وموافقته ثواب أو عقاب ، والكلام في المسألة من حيث قبح عقاب الآمر على مخالفة المجهول وعدمه.

__________________

(١) في (ظ) بدل «غير طلبيّة» : «مجملة».

قبح المؤاخذة إذا عجز العبد عن تحصيل العلم بجزء

وأمّا أوامر الموالي الصادرة بقصد الإطاعة ، فنلتزم (١) فيها بقبح المؤاخذة إذا عجز العبد عن تحصيل العلم بجزء فاطّلع عليه المولى وقدر على رفع جهله ولو على بعض الوجوه الغير المتعارفة إلاّ أنّه اكتفى بالبيان المتعارف فاختفى على العبد لبعض العوارض.

نعم ، قد يأمر المولى بمركّب يعلم أنّ المقصود منه تحصيل عنوان يشكّ في حصوله إذا أتى بذلك المركّب بدون ذلك الجزء المشكوك ، كما إذا أمر بمعجون وعلم أنّ المقصود منه إسهال الصفراء ، بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة أو علم أنّه الغرض من المأمور به ، فإنّ تحصيل العلم بإتيان المأمور به لازم ، كما سيجيء في المسألة الرابعة (٢).

فإن قلت : إنّ الأوامر الشرعيّة كلّها من هذا القبيل ؛ لابتنائها على مصالح في المأمور به ، فالمصلحة فيها إمّا من قبيل العنوان في المأمور به أو من قبيل الغرض.

وبتقرير آخر : المشهور بين العدليّة أنّ الواجبات الشرعيّة إنّما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقليّة ، فاللطف إمّا هو المأمور به حقيقة أو غرض للآمر ، فيجب تحصيل العلم بحصول اللطف ، ولا يحصل إلاّ بإتيان كلّ ما شكّ في مدخليّته.

عدم ابتناء مسألة البراءة والاحتياط على مسألة اللطف

قلت : أوّلا : مسألة البراءة والاحتياط غير مبنيّة (٣) على كون كلّ واجب فيه مصلحة وهو لطف في غيره ، فنحن نتكلّم فيها على مذهب

__________________

(١) كذا في (ت) و (ه) ، وفي (ر) و (ص): «فيلتزم».

(٢) انظر الصفحة ٣٥٢.

(٣) في (ت) و (ص): «غير مبتنية».